من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
والد المؤلف يحفظ قصيدة تشتمل على ستمائة بيت في يوم وليلة
حدّثني أبي [﵁]، قال:
سمعت أبي [﵀] ينشد يوما، وسنّي إذ ذاك خمس عشرة سنة، بعض قصيدة دعبل الطويلة التي يفتخر فيها باليمن، ويعدّد مناقبهم، ويردّ على الكميت فخره بنزار، أوّلها:
أفيقي من ملامك يا ظعيناكفاني اللوم مرّ الأربعينا
وهي نحو ستمائة بيت، فاشتهيت حفظها، لما فيها من مفاخر اليمن [لأنّهم] أهلي.
فقلت: يا سيّدي، تخرجها إليّ حتى أحفظها، فدافعني، فألححت عليه.
فقال: كأنّي بك، تأخذها، فتحفظ منها خمسين بيتا أو مائة بيت، ثم ترمي بالكتاب، وتخلقه عليّ.
قلت: ادفعها إليّ.
فأخرجها، وسلّمها إلي، وقد كان كلامه أثّر فيّ، فدخلت حجرة كانت برسمي في داره، فخلوت فيها، ولم أتشاغل يومي وليلتي بشيء غير حفظها.
فلما كان في السحر، كنت قد فرغت من جميعها، وأتقنتها، فخرجت إليه غدوة على رسمي، فجلست بين يديه.
فقال: هي، كم حفظت من القصيدة؟
فقلت: قد حفظتها بأسرها.
فغضب، وقدّر أنّي قد كذبته، وقال لي: هاتها.
فأخرجت الدفتر من كمّي، فأخذه، وفتحه، ونظر فيه، وأنا أنشد، إلى أن مضيت في أكثر من مائة بيت.
فصفح منها عدّة أوراق، وقال: أنشد من هاهنا.
فأنشدت مقدار مائة بيت [أخر، فصفح إلى أن قارب آخرها بمائة بيت، فقال أنشدني من هاهنا، فأنشدته مائة بيت منها] إلى آخرها.
فهاله ما رآه من حسن حفظي، فضمّني إليه، وقبّل رأسي وعيني، وقال: بالله، يا بنيّ، لا تخبر بها أحدا، فإنّي أخاف عليك من العين.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع