من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
إذا عتق الشمع عشرات السنين ثم استعمل أبطأت النار فيه
ومن الأخبار المفردات أيضا، ما أخبرني به أبو الحسين بن عيّاش، قال:
دعانا أبو الطيّب بن أبي جعفر الطائي مع أبي القاسم سليمان بن الحسن، وابنه أبي محمد، دعوة أنفق فيها مائتي دينار، وأظهر من الآلات، والنعم والمروءة، كل شيء حسن طريف غريب فاخر.
وكان [ ط] أحسن ما شاهدنا له شمعتين موكبيّتين فيهما ثلاثون أو أربعون منّا، في تورين كبيرين، نصبهما في وسط المجلس، وفرّق الشموع الصغار حواليهما.
فكان الفرّاشون إذا أرادوا قطّ الشمعتين، تطاولوا شديدا، حتى يقطّوهما.
وكان لون الشمعتين غير مليح يضرب إلى البياض، ممّا قد عشب عليهما من التراب.
وجلسنا إلى قريب من الغداة، وهما تتّقدان في ليلة شتويّة، ونمنا، وانتبهنا، وهما تتّقدان، [فنظرت] فإذا الذي اتّقد من كلّ واحدة منهما، أصابع يسيرة، وهما بحالهما.
قال: فما تمالكت، أن سألته، فيما بيني وبينه، عن سبب ذلك.
فقال: هما عندي، وعند أبي [من قبلي]، منذ خمسين سنة، ما استعملناهما.
وعندنا شمع كثير هذا سبيله، تعمّدنا تعتيقه، لأنّه بلغ أبي أنّ الشمع إذا عتّق عشرات سنين، ثم استعمل، كان ما يحترق منه هذا القدر، ونحوه.
فعتّق شمعا كثيرا، ونسيه، ومات، وتشاغلت بعده عن استعماله [سنين]، فلما احتفلت لهذه الدعوة الآن، ذكرت الشمع العتيق الذي في خزائننا، فأخرجت هاتين منه، وكان من أمرهما ما رأيت، وصحّت التجربة لنا فيهما.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع