تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

مشعوذ يدعي الولاية

ومن الأخبار المفردات، ما أخبرني به أبو الحسن أحمد بن يوسف بن الأزرق، قال:

قدم علينا بالأنبار رجل من أهل القصر، يقال له عمر، يعظ العامّة، ويري نسكا، ويقول: من أطاع الله، أطاعه كلّ شيء، وإنّه يغمس يده في الزيت الحار المغليّ الشديد الحرارة، فلا يضرّه.

فافتتن أهل البلد به، واجتمعوا إلى الجامع، ليشاهدوا ذلك، وسألوني الحضور، فحضرت، وإخوتي، وسلطان البلد، وقد نصب ديكدان في صحن الجامع على دكّة، ووضع فوقه طنجير، والرجل قائم يصلّي.

فلما جئنا طلبوا زيتا، فأنفذت على يد غلامي، فجاءوا بخماسيّة، فصبّت في الطنجير، وأوقد عليها وقود جيّد شديد.

فلما أغلي الزيت ونشّ، أقبل على أخي، وقال: يا أبا أحمد، الله الله، لا يكون ما أحضرته غير الزيت، فأهلك.

فحين قال هذا، انكشف لي أنّها حيلة، فقلت له: ما هو إلّا الزيت.

فنزع ثيابه، وعمد إلى بقيّة كانت في الخماسيّة من الزيت [لم تغل]، مقدارها نصف رطل، فصبّها في الطنجير، ودعا شاربا، فغسل يده غسلا شديدا، وذراعيه، وصدره، ثم أخذ كفّا من الماء البارد، فرشّه على الزيت، فزاد نشيشه.

ثم صعد على الدكّة، وفي يده صنجات، فرمى بها في الطنجير، ثم أدخل يده بسرعة شديدة، وصاح بأعلى صوته: لا إله إلّا الله، وغرف بكفه الصنجات، فأخرجها، ورمى بها بحدّة، وهو يصيح: يا الله [ ط]، يا الله، بأعلى صوته.

ثم تقدّم إلى الزيت، فاغترف بكفّه منه، فغسل به صدره، وذراعيه، وهو يصيح صياحا شديدا، يوهم به من حضر أنّه يريد الدعاء، وكان عندي، أنّه تألّم وتوجّع وتأوّه.

ثم نزل، فأقبل يدعو، ويقول للعامّة: أنا أرجو أن أجيئكم بعد أيّام، بسباع الأجمة، أقودها بآذانها.

فحملناه معنا إلى منزلنا، واغتسل بماء حار، وتدلّك، وبخّرناه، وأقام عندنا يومه.

فسألناه عن سبب ذلك.

فقال: من أطاع الله، أطاعه كلّ شيء، فأمسكنا عنه.

فلما كان بعد أيّام، جاء جماعة من أهل الأنبار، فقالوا: نحن نغلي الزيت، ونعمل كما عمل، ونغلي القار، ونأخذه من القدر بأيدينا حارا.

قال فجمعناهم بحضرته، فعملوا ذلك، فأبلس، وقال: هذا، إنّما لحقتكم بركتي.

وهرب من البلد من غد.

فسألنا الذين عملوا ذلك، فقالوا جرّبنا على أنفسنا، وتصبّرنا كما يصبر الواحد منّا على الماء الحار الشديد الحرارة في الحمّام، ولا يصبر عليه آخرون.

ويشبه هذا، ما أخبرني به أبو أحمد بن أبي سلمة العسكري، أحد الشهود بها، انّه شاهد رجلا، يدخل يده في قدر السكّر الحار، ويخرج منه ما يطرحه في الظروف.

وأخبرني أبو الطيّب، انّه رأى الشبلي الصوفي، يدخل يده في طنجير حار، فيه فالوذج حار مغليّ، فيأخذ منه اللقم، فيأكلها.

قال: وهذا أشدّ ما شاهدته، وفعل ذلك مرارا.

فقال له في بعضها، صوفيّ كان حاضرا: ويحك اعمل أنّ في يدك كشتبان، حلقك مصهرج؟

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.