من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
نادرة عن شخص آخر آية في سرعة الحفظ
حدّثني أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عثمويه الكاتب، قال: حدّثني الكرماني كاتب كان لأبي بكر بن الصيرفي، صاحب الجيش، قال:
أنفذني صاحبي لأنفق في رجال أبي محمد جعفر بن محمد بن ورقاء، فأنفقت فيهم، واستفضلت أنا وكاتب أبي محمد، والجهبذ، والنقيب، نحو عشرة آلاف درهم.
فقالوا: ندخل في موضع، ونتحاسب، ونقسم.
فدخلنا مسجدا حيال دار أبي محمد، ولم نر فيه إلّا رجلا عليلا نائما، كأنّه سائل، فحقرناه.
وأخذنا نتحاسب، ونقول: وصل إلينا من رزق فلان الساقط كذا، وفلان البديل كذا، ومن الصرف كذا، ومن فضل الوزن كذا، ومن كذا كذا، إلى أن حصّلنا مبلغ الفضل، وما يخصّ كلّ واحد منا.
فأقبلنا نزن، فشال العليل رأسه، وقال: يا أصحابنا، أخرجوا لي قسطا.
فقلنا: ومن أنت؟
قال: أنا رجل من المسلمين، قد سمعت ما كنتم فيه.
فقلنا: هو ضعيف، أعطوه خمسة دراهم.
فقال: لا أريد إلّا قسطا صحيحا بالسويّة، مثل ما يأخذه أحدكم.
فاستخففنا به.
فقال: لا عليكم، إمّا أعطيتموني ما التمست، وإلّا جلست الساعة في سميريّة، ومضيت إلى أبي بكر الصيرفي، وقلت: إنّكم أخذتم باسم [فلان الساقط كذا، وباسم] فلان البديل كذا وكذا.
قال: فأعاد جميع ما قلنا وتحاسبنا عليه، حتى ما أخلّ بحرف واحد منه، فأقلّ ما يعمل بكم، إذا لم يصرفكم ويؤذيكم، أن يرتجع منكم ما سرقتم.
فنظرنا إلى ما قاله فوجدناه صحيحا، فرمنا منه أن يقتصر على بعض ما طلبه.
فقال: لا والله إلا بقسط كما يأخذ أحدكم.
فلم نجد من دفع ذلك إليه بدّا، فدفعنا إليه قسطا، مثل ما أخذه واحد منا.
فأخذه وافترقنا [ ط].
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع