من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
ناصر الدولة الحمداني يتبع وصية أبيه أبي الهيجاء
حدّثني أبو محمد يحيى بن محمد، قال: حدّثني أبو إسحاق محمد ابن أحمد القراريطي قال: حدّثني ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان، قال:
كان أبي أبو الهيجاء شديد الانحراف عنّي أوّل نشوّي، لما يراه من الفضل فيّ، وخوفه منّي على أعماله.
فكان يغضّ مني، ويتجافاني، ويمسك يده عنّي، فأتحمّل ذلك، وأصبر عليه.
فولي طريق خراسان، فجلس يعرض دوابّه، فبقّى منها خمسين
دابّة، ما بين زمن وأعجف، إلى غير ذلك.
ثم قال: يا حسن، أريد أن أخرج بعد شهرين إلى العمل، وهذه الدواب مسلّمة إليك، [فإن صلحت، فقد صلحت] وقد رددت أمرها إليك، لأجرّبك بها في الأمور الكبار، فإن قمت بها حتى تصحّ وتبرأ وتسمن، وكان فيك فضل لذلك، علمت أنّك تصلح لما هو فوقه، وإن لم تصلح على يدك، فهو أوّل عمل رددته إليك من أمري وآخره، فعجبت من أنّ أوّل عمل أهّلني له، أن أكون سائس دوابّ، ولم أجد بدّا من الصبر.
فقلت: السمع والطاعة.
وأخذت الدواب، وأفردت لها إسطبلا، وجعلت لنفسي فيه دكّة، واستأجرت لها سوّاسا، وأدررت أرزاقهم، وطالبتهم بأشدّ الخدمة، وكنت أحضر أمر الدواب دفعات في اليوم، حتى توقّح وتعالج وتسمن، وأفردت بياطرة فرها لذلك.
فما مضى عليها إلّا شهر وأيّام، حتى صحّت وسمنت، وصارت على غاية الحسن.
وأزف خروجه، فقال لي: يا حسن ما فعلت بتلك الدوابّ؟
فقلت: قم إلى الإسطبل حتى تراها.
فقام، فرآها في غاية الحسن، فسرّ بذلك، وأعجبه، وأثنى عليّ، وقال: يا حسن، هوذا أعلّمك بدل قيامك بهذا الأمر شيئا تنتفع به، وفيه قضاء لحقّك، بقدر ما أتعبتك فيه.
فقلت: قل، يا سيدي.
قال: إذا رأيت السلطان قد رفع من أهلك رجلا، أو الزمان قد نوّه به ورأسه، فإيّاك أن تحسده، وتشغل نفسك بعداوته، فإنّك تتعب، ولا تصل إلى فائدة، وتسقط أنت، ولا يضرّه هو، وتغتمّ أنت، ولا يتأذّى هو، وتغضّ من نفسك، بغضّك من رجل صار كبيرا من أهلك، فإنّه ما ارتفع إلّا بآلة فيه، يدفعك بها، أو إقبال بدفعك عنه، واجهد أن تخدمه، وتصافيه الودّ، ليكون ذلك الفضل الذي فيه، فضلا لك، وذلك الفخر راجعا إليك، وتتجمّل بثنائه عليك، وإطرائه لك، وتصير أحد أعوانه، فإنّه أحسن بك من أن تكون من أعوان غيره ممّن ليس من أهلك، ويراك الناس عنده وجيها، فيكرمونك له، فإن كان له منزلة من السلطان، جاز أن تصل إليها باستخلافه إيّاك [ ط] عليها، وانتقاله إلى ما هو أكبر منها، وكذلك إن كانت منزلته من غير سلطان، فلا تقل أنا أقعد منه في النسب، وأنّي خير قرابته، وهذا أمس كان وضيعا، وكان دوننا، فإنّ الناس بأوقاتهم.
فقلت: نعم يا سيدي.
قال: ثم أقبل عليّ، وونّسني، وولّد لي في نفسه، القيام على تلك الدواب، منزلة.
فقال: اخرج معي إلى العمل.
وخرج، فخرجت معه، وكنت أسايره إلى جسر النهروان وأحادثه، فولّد ذلك الانبساط في نفسي طمعا فيه، وأن أسأله شيئا.
فذكرت بجسر النهروان، أنّ له ضيعة جليلة عظيمة، بنواحي الموصل، يقال لها: النهروان، كنت أشتهيها.
فقلت له: يا سيّدي، قد كثرت مؤونتي، وتضاعفت نفقتي،
فلو وهبت لي النهروان ضيعتك، لأستعين بغلّتها على خدمتك، ما كان ذلك منكرا.
قال: فحين سمع هذا، تغيّظ غيظا شديدا، واندفع يشتمني أقبح شتيمة، وقال: يا كلب، سمت بك نفسك إلى أن تمتلك النهروان؟
وقنّعني بالسوط الذي كان في يده، وهو مفتول كالمقرعة، فوقع السوط على وجهي، فشجّه من أوّله إلى آخره، وأحسست بالنار في وجهي، وورد ذلك على غفلة، فتداخلني له ألم عظيم، وغيظ مما عاملني به أشدّ من الألم.
وقلت في نفسي، ما كان هذا جوابي، وقد كان يقنعه أن يردّني، ولكن نيّته لي فاسدة بعد.
وقصرّت عن مسايرته، ولحقني غلماني، فوقفوا معي ساعة، حتى صلحت قليلا، وسار هو، ففتلت رأس دابتي، وأنفذت من ردّ بغلين كانا لي في السواد، عليهما قماشي وثيابي وغلماني، ورجعت أريد بغداد، وأنا وقيذ من الألم والغيظ حتى وردت بغداد.
وكان الوزير إذ ذاك عليّ بن عيسى، وهو في غاية العناية بأبي، وهو قلّده العمل، وكان يحبّني، ويكرمني، ويختصّني، ففكرت أن أدخل إليه، أشكو أبي، وأريه الأثر الذي بي.
فقصدت دارنا، فأدخلت البغلين والقماش إلى الدار، ولم أنزل، وتوجهت إلى دار الوزير.
فحين نزلت عن دابتي، وصرت في الصحن، ذكرت وصيّة أبي لي في أمر الأهل، وندمت على دخول دار الوزير، وقلت: لأن أقبل
الوصية في أبي، أولى من قبولها في الأهل، فعملت على أن أغالط الوزير، ولا أعرّفه.
وجئت، فسلّمت على الوزير، ووقفت بين يديه، ولم تكن عادتي تجري بالجلوس بحضرته.
فحين رآني أعظم الأثر الذي بوجهي، وقال: ما لحقك؟ وأنكره، لأنّه كان قبيحا جدا.
فقلت: لعبت بالصولجان والكرة، فأفلتت، فضربت وجهي.
فقال: أليس كنت قد خرجت مع أبيك، فلم رجعت؟
فقلت: خرجت مشيّعا، فلما بعد، عدت لألزم خدمة الوزير.
قال: فأخذ يسألني عن مسير أبي، فإذا بأبي قد دخل، وإذا هو لمّا رجعت من الطريق، وبلغه خبر رجوعي [ ط] قد اغتاظ، فرجع، إمّا ليردّني، أو ليقبض عليّ، وجاء إلى داره، فعرف أنّي لم أنزل، وأنّي توجهت إلى دار الوزير، فلم يشكّ في أنّي قد مضيت أشكوه.
فجاء، فوجدني أخاطبه، فتحقّق ذلك عنده، فجلس.
فقال له الوزير: ما ردّك يا أبا الهيجاء؟
فقال: أيها الوزير، ما هذا حقّ خدمتي لك، ومناصحتي إيّاك، وانقطاعي إليك، وأخذ يعتب على الوزير أعظم عتب، وأنا قائم، ساكت، أسمع.
فقال له الوزير: ما هذا العتب عليّ؟ أيّ شيء عملت؟
فقال: تمكّن هذا الكلب من ذكري بحضرتك، والتبسّط فيّ.
فقال: من تعني؟
فقال: الحسن، هذا القائم، فعل الله به وصنع.
فقال له الوزير: يا هذا، قد وسوست، أيّ شيء كان أوّل هذا؟ والله، ما نطق هذا الفتى في أمرك بحرف، ولا سمعته قط ذكرك بما يوجب عتبا عليه، وكيف عليّ في تمكيني منه، ولو فعل ذلك، لغضّ به عندي من نفسه.
فاستحيا أبي، وعلم أنّي لم أخاطب الوزير بشيء، وأمسك.
فقال له الوزير: لا بدّ أن تحدّثني بما بينكما، فإنّك ما حملت نفسك على الرجوع، إلّا لأمر عظيم، وهو ذا أرى الحسن أيضا به أثر قبيح، وقد سألته، فقال: إنّ كرة أفلتت من يد غلمان ضرب معهم بالصولجان فأصابت وجهه، فوقع لي أنّه صادق، فلمّا جئت الآن، وقدّرت أنّه قد شكاك، وقع لي إنّ هذا شيء من فعلك، ولا بدّ أن تصدقني.
قال: فقصّ عليه أبو الهيجاء القصّة، كما جرت.
فأقبل عليه عليّ بن عيسى، وقال: أما تستحي يا أبا الهيجاء، أن يكون هذا قدر حلمك عن ابنك، وأكبر ولدك؟ فإذا كنت بهذا الطيش معه، فكيف تكون مع الغريب؟ وأيّ شيء كان في مسألته لك أن تهب له ضيعة؟
ولو فعلت ذلك، ما كان ذلك بدعا من برّ الآباء بأولادهم. ولمّا لم تسمح له بذلك، قد كان يجب أن تردّه ردّا جميلا، أو قبيحا إذا اغتظت، وأمّا أن تبلغ به ضرب السياط، آه، آه.
قال: وزاد عليه في العتب والتوبيخ، وهو مطرق مستحيي.
حتى قال له: وليس العجب من هذا، حتى رجعت من عملك، غيظا عليه، وقدّرت أنّه قد شكاك إليّ، وأنّي أطلق له أن يتنقّصك، فجئت عاتبا عليّ، لوهم توهمته فيه.
قال: فأخذ أبي يعتذر إليه من ذلك.
فقال: والله، ما أقبل عذرك، ولا تنغسل عن نفسي هذه الآثار، إلّا بأن تشهد لحسن بالضيعة، وتهبها له، جزاء عن ظلمك إيّاه.
فقال: السمع والطاعة لأمر الوزير.
فقال لي عليّ بن عيسى: انكبّ على رأس أبيك ويده فقبّلهما.
قال: ففعلت ذلك.
وجذب عليّ بن عيسى دواته ودرجا، فأعطاهما أبا الهيجاء، وقال:
اكتب له بالضيعة، إلى أن تشهد، فكتب أبي بالضيعة لي.
وقال الوزير: خذ، خذ، فإذا عاد إلى البيت، فاكتب عليه العهد [بالوثيقة]، وأشهد عليه جماعة من العدول، فإن امتنع عرّفني حتى أطالبه [ ط] لك بذلك.
قال: وخرجنا ونحن مصطلحون.
فلما صرنا في الدهليز، قال أبي: يا حسن أنا علّمتك على نفسي، بالوصيّة التي وصّيتك بها، كأنّي بك وقد جئت لتشكوني، فلما صرت في الدهليز ذكرت وصيّتي لك، فقلت: لأن أستعملها مع أبي، أولى بي، فلما صرت في مجلس الوزير، قلت له ما قلت، ولم تشكني إليه.
قلت: [كذا] والله يا سيدي كان.
فقال: إذا كان فيك من الفضل ما قد حفظت معه وصيّتي، في مثل هذه الحال، فما ترى بعدها مني ما تكرهه.
فقبّلت يده، وعدت معه إلى دارنا.
فسلّم إليّ الضيعة، وأشهد بها لي، وصلحت نيته بعد ذلك، واستقامت الحال بيننا.
وكان قبول تلك الوصيّة أبرك شيء عليّ.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع