تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

بين ابن أبي البغل عامل أصبهان وأحد طلاب التصرف

حدّثني أبو القاسم سعد بن عبد الرحمن الأصبهاني، كاتب الأمير أبي حرب، سند الدولة، الحبشي بن معز الدولة، ومحلّه من النبل والجلالة والثقة، والأدب، والعلم، مشهور، قال:

كان أبو الحسين بن أبي البغل، يتقلّد بلدنا، فأخبرني من حضر مجلسه، وقد دخل إليه شيخ قدم من بغداد، بكتب من وزير الوقت، ومن جماعة من رؤساء الحضرة، وإخوان أبي الحسين بها، يخاطبونه بتصريفه ونفعه.

فسلّم وجلس، وأوصل الكتب، وصادف منه ضجرا وضيق صدر، وكانت إضبارة عظيمة، فاستكثرها ابن أبي البغل، ولم يقرأها جميعها.

فقال له الرجل: إن رأيت أن تقرأها، وتقف على جميعها.

فصخب، وتغيّظ، وقال: أليس كلها في معنى واحد؟ قد والله بلينا بكم يا بطّالين، كل يوم يصير إلينا منكم واحد يريد تصرّفا، لو كانت خزائن الأرض إليّ، لكانت قد نفدت.

ثم قال للرجل: يا هذا، ما لك عندي تصرّف، ولا إليّ عمل شاغر أردّه إليك، ولا فضل في مالي أبرّك منه [فدبّر أمرك] بحسب هذا.

قال: والرجل ساكت جالس، إلى أن أمسك ابن أبي البغل.

فلما سكت، ومضت على ذلك [ساعة] قام الرجل قائما، وقال:

أحسن الله جزاءك، وتولّى مكافأتك عنّي بالحسنى، وفعل بك وصنع.

قال: وأسرف الرجل في شكره، والدعاء له، والثناء عليه، بأحسن لفظ، وأجود كلام، وولى منصرفا.

فقال ابن أبي البغل: ردّوا من خرج.

وقال له: يا هذا، هوذا تسخر مني؟، على أيّ شيء تشكرني؟ على أياسي لك من التصرّف، أو على قطع رجائك من الصلة، أو على قبيح ردّي لك عن الأمرين، أو تريد خداعي بهذا الفعل؟

قال: لا، ما أردت خداعك، وما كان منك من قبيح الردّ، غير منكر، فإنّك سلطان، ولحقك ضجر.

ولعلّ الأمر على ما ذكرته من كثرة الواردين عليك وقد بعلت بمن حضر، ونحوسى أن صار هذا الردّ القبيح، والأياس الفظيع، في بابي.

ولم أشكرك إلّا في موضع الشكر، لأنك صدقتني عمّا لي عندك في أوّل مجلس، فعتقت عنقي من ذلّ الطمع، وأرحتني من التعب بالغدوّ [ ط] والرواح إليك، وخدمة من أستشفع بهم عليك، وكشفت لي ما أدبّر به أمري، وبقيّة نفقتي معي، ولعلّها تقوم بتجمّلي، الذي أتجمّل به إلى بلد آخر، فإنّما شكرتك على هذا، وعذرتك فيما عاملتني به، لما ذكرته أوّلا.

قال: فأطرق ابن أبي البغل خجلا، ومضى الرجل.

فرفع رأسه بعد ساعة، وقال: ردّوا الرّجل، فردّوه.

فاعتذر إليه، وأمر له بصلة، وقال: تأخذها إلى أن أقلّدك ما يصلح لك، فإنّي أرى فيك مصطنعا.

فلما كان بعد أيّام قلّده عملا جليلا، وصلحت حال الرجل.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.