تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

بين الهبيري وابن أبي خالد الأحول

حدّثني أبي، ﵁، بإسناد ذكره:

أنّ رجلا من شيوخ الكتاب يعرف بالهبيريّ، لزمته العطلة، وأضرّت به، فكان يلازم ابن أبي خالد الأحول، وهو إذ ذاك يدبّر أمر الوزارة.

فطالت ملازمته داره، وكان ابن أبي خالد يستثقله، فحجب عن الدار.

فكان يبكّر كل يوم فيقف على دابّته بالباب، حتى يخرج الوزير، ثم ينتظر إلى أن يعود، ويدخل الوزير، وينصرف هو.

فطال ذلك على الوزير، حتى برم به، فقال لكاتب له: إلق هذا الرجل، وقل له: إنّه لا تصرّف لك عندي، ولست أحب أن أراك في كل وقت، فانصرف عني، ولا تقرب بابي.

قال الكاتب: فاستحييت أن أؤدّي عن صاحبي مثل هذه الرسالة إلى شيخ من جلّة الكتاب، وإن كان الزمان قد حطّه، وعلمت أنّ ذلك قد صدر عن الوزير، لسوء رأيه فيه، ومقته له، واستثقاله إيّاه.

فصرت إلى منزلي، وأخذت معي خمسة آلاف درهم، وصرت إلى الهبيري، فقلت:

الوزير أعزّه الله، يقرأ عليك السلام، ويقول لك: هوذا تشق عليّ رؤيتك بالباب، والأشغال تقطعني عنك، ولا تصرّف عندي أرتضيه لك في هذا الوقت، وقد حملت إليك خمسة آلاف درهم، فاستعن بها في نفقتك،

والزم دارك، واربح العناء، فإذا سنح عندي شغل يصلح لك، استدعيتك.

قال: فاستشاط الشيخ، وقال: جعلني من الشحّاذين والمستميحين، ينفذ إليّ برفد، والله لا قبلته.

قال: فاستجهلته، وداخلني غيظ [ ط] من فعله، فقلت: يا هذا، والله، ما هذه الدراهم من مال الوزير، ولا هي إلّا من مالي، ورسالته أقبح مما تذهب إليه، وإنّي كرهت تلقّيك بها، وأنت من شيوخ هذه الصناعة، فتحمّلت لك هذا الغرم من مالي، من غير علم صاحبي، صيانة لك وله.

فقال: أمّا أنت، فأحسن الله جزاءك، ولا حاجة بي إلى مالك، ولو مصصت الثماد، ولكن أنشدك الله، إلّا ما أبلغتني رسالته بعينها، وحزت بذلك شكري.

قال: فأدّيتها إليه على حقّها وصدقها.

قال: فقال: أحب أن تتحمّل الجواب.

فقلت: قل.

قال: تقول له: والله، ما آتيك لك نفسك، وإنّما أنت رجل قد صرت بابا لأرزاقنا، إذ كنا لا نحسن صناعة غير الكتابة، ولا تصرّف فيها إلّا من عندك، ومن أراد دخول الدار، يجب أن يأتيها من بابها، وعلى الإنسان أن يتعرّض للرزق، ويأتي بابه، فإن قسم الله له منه شيئا، أخذه، وإلّا كان قد أدّى ما عليه.

وليس يمنعني استثقالك لي، من قصدك، فإن قسم الله لي شيئا من

جهتك، أو على يدك، أخذته على رغمك، وإلّا فلا أقلّ من أن أؤذيك برؤيتي، كما تؤذيني بعطلتي.

قال: فانصرفت متعجّبا منه، ولم أعد على الوزير ذلك، لئلا يغتاظ، وتغافلت يومي.

فلما كان من الغد، بكّر الوزير خارجا من داره، وأنا معه، فإذا بالشيخ، فلما رآه، التفت إليّ، وقال: ألم أنفذك إليه برسالة؟

قلت: بلى.

قال: فلم عاد؟

قلت: الخطب طويل طريف، وإذا اطمأنّ الوزير في مجلسه حدّثته.

قال: فلمّا نزل في طيّاره، قال: أخبرني بما جرى.

فقصصت عليه القصّة. وحملي الدراهم من مالي، وما جرى بأسره، وأدّيت إليه رسالته بعينها، فكاد أن يطير غيظا.

وانتهى الكلام، وقد قدّم الطيّار إلى دار الخلافة، فدخل إليه وفي نفسه حديث الهبيري، والغيظ منه، فوقف بحضرة الخليفة، وجرى الكلام.

فقال له الخليفة: قد ألطّ عامل مصر بالمال، وجنح إلى المدافعة، فاختر رجلا شهما، ننفذه مشرفا عليه، ومطالبا بما مضى.

قال: وكان ابن أبي خالد يعتني برجل متصرّف يقال له الزبيريّ، فأراد أن يسمّيه لذلك، فقال: الهبيريّ، لما كان في نفسه منه، وقرب العهد بذكره، والغيظ من أمره.

فقال الخليفة: أو يعيش الهبيري؟

قال: يا أمير المؤمنين لم أرد الهبيري، وإنّما أردت فلان بن فلان الزبيريّ.

قال: يجوز أن تكون أردت الزبيري، ولكن أخبرني بخبر الهبيريّ، فقد كانت له بي حرمة في حياة أبي، وبأسبابنا، وهو واجب الحقّ علينا.

فقال: نعم، هو يعيش.

قال: فأنفذه إلى مصر.

فقال: يا أمير المؤمنين، إنّه لا يصلح.

قال: ولم؟

قال: قد اختلّ.

قال: أحضرنيه حتى أشاهده، فإن كان مختلّا، أمرت له بصلة وجار، وإن كان ينهض بالعمل أنفذته.

قال: [ ط] يا أمير المؤمنين، إنّه متعطّل منذ سنين، وقد خمل، وذهب اسمه، وصوته، وهذا عمل يحتاج إلى من له نباهة.

قال: إذا أقبلنا عليه، وندبناه لمثل هذا الأمر العظيم، تجدّد ذكره، وتطرّى أمره.

قال: إنّه لا حال له تنهضه.

قال: يطلق له من مالنا مائة ألف درهم، يصلح بها حاله، ويحمل إليه

من البغال والدواب والخيم والآلات.

قال: فأخذ يعتلّ عليه.

قال: أرى فيك تحاملا عليه، لتصدقنّي عن أمره معك.

فلجلج.

فقال: بحياتي أصدقني، فصدقه عن الخبر.

فقال الخليفة: قد والله أجرى الله ﷿ رزقه على يدك بالرغم منك، كما قال، وو الله لا برحت، أو تكتب عهده، ويوصل بجميع ما أمرت به.

ثم قال: عليّ بالهبيري.

فأحضر، وخرج ابن أبي خالد عليه، فقال:

يا هذا، قد والله جاء رزقك على يدي بالرغم مني، وجرى كذا وكذا، وأخبره الخبر، وسلّم إليه التوقيعات بما أمر له به الخليفة، والكتب إلى مصر، وواقفه على العمل، وأخرجه إليه.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.