تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

بين ابن أبي الأضخم وابن أبي خالد الأحول

وحدّثني أيضا عن ابن أبي خالد هذا، قال: كان بغيضا.

قال: فاتّفق أن بكّر إليه يوما رجل شيخ من شيوخ الكتّاب، يقال له: ابن أبي الأضخم متعطّلا، قد طالت عطلته، يغتنم أن يراه سحرا خاليا فيشكو إليه حاله، ويسأله التصرّف.

فبكّر بكورا شديدا، فتلقّاه برد قبيح، وقال له: أيش هذا المهمّ في مثل هذا الوقت؟

قال: فاحتدّ عليه الشيخ، وقال: ما العجب منك، العجب منّي، حين ربطت أملي بك، وأسهرت عيني توقّعا للفجر في البكور إليك، وأسهرت عيالي وغلماني وتحمّلت التجشّم إليك، وأنزلت بك حاجتي، حتى تتلقّاني بمثل هذا، وعليّ، وعليّ، وحلف بأيمان البيعة، لا دخلت دارك أبدا، ولا سألتك حاجة، ولا طلبت منك تصرّفا، أو تجيئني إلى داري معتذرا ممّا تلقّيتني به، وتقضي حاجتي في منزلي، ونهض.

فلمّا صار الرجل إلى منزله ندم ندما شديدا، وقال: هذا رجل لئيم الطبع، سيء الظفر، شرس الخلق، وأنا مضطرّ إلى لقائه، ومساءلته في حوائجي، فلم حلفت بهذه اليمين؟

وما أحد أسوء حالا منّي، فإنّ هذا الوزير لا يفكر فيّ، ولا يجيئني والله أبدا، ولا يكون لي طريق إلى قصده.

ويحسّ العمال بذلك، فيخرّبون ضيعتي، وتدوم عطلتي، ويلحقني كيت وكيت.

وأقبل يلوم نفسه ويؤنّبها، ويفكّر كيف يعمل، وقد أسفر النهار وتعالى، إلى أن صار نحو ساعتين.

فدخل إليه غلمانه فقالوا: يا سيّدنا، الوزير مجتاز في شارعنا.

فقال: وما علينا منه.

فدخل آخر فقال: يا سيدي، قد والله عدل من الشارع إلى دربنا.

[ودخل آخر فقال: يا سيّدي، إنّه يقصد دارنا].

وتبادر الغلمان، فقالوا: قد صار بالباب، يستأذن عليك.

قال: فنهض الشيخ، وخرج إليه، وقبّل يده، وقال: [ ط] أبيت، أيّدك الله، إلّا الأخذ بالفضل.

قال: لا تشكرني، واشكر أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، على ذلك.

ودخل إليه فقال: إنّك انصرفت، وقد أمضّني خطابك، وقد كان ما خاطبتك به على ضجر منّي، وعلى غير اعتقاد.

وركبت في الحال إلى الخليفة، فخاطبني، وأنا مشغول القلب بما دار بيننا فوجد كلامي مضطربا، وأقسم عليّ لأخبرنّه، فأخبرته، فأخذ يعذلني ويوبّخني على ما لقيتك به.

وقال: لا تقف، إمض إليه الساعة معتذرا، وأخرجه من يمينه.

واقض حاجته، وانظر في أموره.

قال: ثم دعا بدواة، فوقّع لي بما كنت سألته، وبمال وصلني به.

وتصرّف قلّدنيه، ونهض.

فشكرته، ودعوت للخليفة، وحمدت الله تعالى على ما وفّقه لي.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.