تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

كان قتل أبي يوسف البريدي أبرك الأشياء على سيف الدولة

حدّثني أبو يعلى محمّد بن يعقوب البريديّ الكاتب، قال:

لمّا قصدت سيف الدولة أكرمني، وأنس بي، وأنعم عليّ، وكنت أحضر ليلا في جملة من يحضر.

قال: فقال لي ليلة من الليالي: كان قتل أبيك، أبرك الأشياء عليّ.

فقلت: كيف ذاك، أطال الله بقاء مولانا؟

قال: لمّا رجعنا من بغداد، اقتصر بي أخي ناصر الدولة، على نصيبين، فكنت مقيما فيها، ولم يكن ارتفاعها يكفيني، فكنت أدافع الأوقات، وأصبر على مضض من الإضاقة مدّة.

ثم بلغتني أخبار الشام، وخلوّها إلّا من يأنس المؤنسي، وكون ابن

طغج بمصر بعيدا عنها، ورضاه بأن يجعل يأنس عليها، ويحمل إليه الشيء اليسير منها، ففكّرت في جمع جيش، وقصدها، وأخذها، وطرد يأنس، ومدافعة ابن طغج، إن سار إليّ، بجهدي، فإن قدرت على ذلك، وإلّا كنت قد تعجّلت من أموالها، ما تزول به إضاقتي مدّة، ووجدت جمع الجيش لا يمكن إلّا بالمال، وليس لي مال، فقلت: أقصد أخي، وأسأله أن يعاونني بألف رجل من جيشه، يزيح هو علّتهم، ويعطيني شيئا من المال، وأخرج بهم، فيكون عملي، زائدا في عمله، وعزّه.

قال: وكانت تأخذني حمّى ربع، فرحلت إلى الموصل على ما بي، ودخلت إلى أخي، وسلّمت عليه.

فقال: ما أقدمك؟

فقلت: أمر أذكره بعد.

فرحّب، وافترقنا.

فراسلته في هذا المعنى، وشرحته له، فأظهر من المنع القبيح، والردّ الشديد، غير قليل.

ثم شافهته، فكان أشدّ امتناعا.

وطرحت عليه جميع من كان يتجاسر على خطابه في مثل هذا، فردّهم.

قال: وكان لجوجا، إذا منع من الأوّل، شيئا يلتمس منه، أقام على المنع.

قال: ولم يبق في نفسي، من يجوز أن أطرحه عليه، وأقدّر انّه يجيبه، إلّا امرأته الكرديّة، والدة أبي تغلب.

قال: فقصدتها، وخاطبتها في حاجتي، وسألتها مسألته.

فقالت: أنت تعلم خلقه، وقد ردّك، وإن سألته عقيب ذلك، ردّني أيضا، فأخرق جاهي عنده، ولم يقض الحاجة، ولكن أقم أيّاما، حتى أظفر منه، في خلال ذلك، بنشاط، أو سبب أجعله طريقا للكلام، والمشورة عليه، والمسألة له.

قال: فعلمت صحّة قولها، فأقمت.

قال: فإنّي جالس بحضرته يوما، إذ جاءه برّاج، بكتاب طائر، عرّفه سقوطه من بغداد.

فلما قرأه، اسودّ وجهه واسترجع، وأظهر قلقا وغمّا، وقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، يا قوم، المتعجرف، الأحمق، الجاهل، المبذّر، السخيف الرأي، الرديء التدبير، الفقير، القليل الجيش، يقتل الحازم، المرتفق، العاقل، الوثيق الرأي، الضابط، الجيّد التدبير، الغنيّ، الكثير الجيش؟ إنّ هذا لأمر عجيب.

قال: فقلت له: يا سيّدي ما الخبر؟

فرمى بالكتاب إليّ، وقال: قف عليه.

فإذا هو كتاب خليفته ببغداد، بتاريخ يومه، يقول: في هذه الساعة، تناصرت الأخبار، وصحّت بقتل أبي عبد الله البريدي، أخاه أبا يوسف واستيلائه على البصرة.

قال: فلما قرأت ذلك، مع ما سمعته من كلامه، متّ جزعا وفزعا، ولم أشكّ أنّه يعتقدني كأبي عبد الله البريديّ، في الأخلاق التي وصفه بها، ويعتقد في نفسه أنّه كأبي يوسف، وقد جئته في أمر جيش ومال، ولم أشكّ أنّ ذلك سيولّد له أمرا في القبض عليّ، وحبسي، فأخذت أداريه، وأسكّن منه، وأطعن على أبي عبد الله البريديّ، وأزيد في الاستقباح لفعله، وتعجيز رأيه، إلى أن انقطع الكلام.

ثم أظهرت له، إنّه قد ظهرت الحمّى التي تجيئني، وإنّه وقتها، وقد جاءت، فقمت، فقال: يا غلمان، بين يديه.

فركبت دابّتي، وحرّكت إلى معسكري، وقد كنت منذ وردت، وعسكري ظاهر البلد، ولم أنزل دارا.

قال: فحين دخلت إلى معسكري، وكان بالدير الأعلى، لم أنزل، وقلت لغلماني: ارحلوا، الساعة، الساعة، ولا تضربوا بوقا، واتبعوني.

وحرّكت وحدي، فلحقني نفر من غلماني، وكنت أركض على وجهي، خوفا من مبادرة ناصر الدولة إليّ بمكروه.

قال: فما عقلت، حتى وصلت إلى بلد، في نفر قليل من أهل معسكري، وتبعني الباقون.

فحين وردوا، نهضت للرحيل، ولم أدعهم أن يراحوا، وخرجنا.

فلما صرنا على فرسخ من بلد، إذا بأعلام وجيش لاحقين بنا، فلم أشكّ أنّ أخي أنفذهم للقبض عليّ.

فقلت لمن معي: تأهّبوا للحرب، ولا تبدأوا، وحثّوا السير.

قال: فإذا بأعرابيّ، يركض وحده، حتى لحق بي، وقال: أيّها الأمير، ما هذا السير المحثّ؟ خادمك دنحا، قد وافى برسالة الأمير ناصر الدولة، ويسألك أن تتوقّف عليه حتى يلحقك.

قال: فلما ذكر دنحا، قلت: لو كان شرّا، ما ورد دنحا فيه.

فنزلت، وقد كان السير كدّني، والحمّى قد أخذتني، فطرحت نفسي لما بي، ولحقني دنحا، وأخذ يعاتبني على شدّة السير، فصدقته عمّا كان في نفسي.

فقال: اعلم انّ الذي ظننته انقلب، وقد تمكّنت لك في نفسه هيبة، بما جرى، وبعثني إليك برسالة، يقول لك: إنّك قد كنت جئتني تلتمس كيت وكيت، فصادفت منّي ضجرا، وأجبتك بالردّ، ثم علمت أن الصواب معك، فكنت منتظرا أن تعاودني في المسألة، فأجيبك، فخرجت من غير معاودة ولا توديع، والآن، إن شئت فأقم بسنجار، أو بنصيبين، فإنّي منفذ إليك ما التمست من المال والرجال، لتسير إلى الشام.

قال: فقلت لدنحا: تشكره، وتجزيه الخير، وتقول كذا وكذا، أشياء واقفته عليها، وتقول: إنّي خرجت من غير وداع، لخبر بلغني في الحال، من طروق الأعراب لعملي، فركبت لألحقهم، وتركت معاودة المسألة تخفيفا، فإذا كان قد رأى هذا، فأنا ولده، وإن تمّ لي شيء، فهو له، وأنا مقيم بنصيبين، لأنتظر وعده.

قال: وسرت، ورجع دنحا، فما كان إلّا أيّام يسيرة، حتى جاءني دنحا، ومعه ألف رجل، قد أزيحت عللهم، وأعطوا أرزاقهم ونفقاتهم، وعرضت دوابّهم وبغالهم، ومعهم خمسون ألف دينار، وقال: هؤلاء الرجال، وهذا المال، فاستخر الله، وسر.

قال: فسرت إلى حلب، وملكتها، وكانت وقائعي مع الأخشيدية، بعد ذلك، المعروفة، ولم تزل بيني وبينهم الحرب، إلى أن استقرّت الحال بيننا، على أن أفرجوا لي عن هذه الأعمال، وأفرجت لهم عن دمشق، وما وراءها، وأمنت ناصر الدولة، واستغنيت عنه.

وكل ذلك، فسببه قتل عمك لأبيك.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.