تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

رؤيا عبد الملك بن مروان وتفسيرها

حدّثنا أبو القاسم بن بشر الآمدي، قال: قال لي أبو أحمد طلحة ابن الحسن بن المثنى، يوما، وقد تجاذبنا على خلوة، الحديث فيما بينه وبين أبي القاسم البريديّ، وتدبير كلّ واحد منها على صاحبه في القبض عليه، وأنا أشير عليه أن يهرب عن البصرة، ولا يقيم، وأنّه لا يجب أن يغترّ.

قال: لست أفكّر في هذا الرجل، لألوان كثيرة، منها رؤيا رأيتها منذ ليال كثيرة، فقلت: ما هي؟

قال: رأيت ثعبانا عظيما، قد خرج عليّ من هذا الحائط- وأومأ

بيده إلى حائط في مجلسه- وهو يريدني، فطلبته، وضربته، فأثبتّه في الحائط، فتأوّلت أنّ ذلك الثعبان، البريديّ، وأنّي أغلبه.

قال: فحين قال: فأثبتّه في الحائط، سبق إلى قلبي، أنّ البريديّ، هو الثابت، وأنّ الحائط، حائطه، دون أبي أحمد، فأردت أن أقول له:

إنّ الخبر مستفيض، بما كان عبد الملك رأى في منامه، كأنّه وابن الزبير، قد اصطرعا في صعيد من الأرض، فطرح ابن الزبير عبد الملك تحته على الأرض، وأوتده بأربعة أوتاد فيها، وإنّه أنفذ راكبا إلى البصرة، فلقي ابن سيرين، فقصّ عليه الرؤيا، كأنّها له، وكتم ذكر ابن الزبير.

فقال له ابن سيرين: هذه الرؤيا ليست رؤياك، ولا أفسّرها لك.

فألحّ عليه.

فقال: يجب أن تكون رؤيا عبد الملك، فإن صدقتني، فسّرتها لك.

فقال: هو كما وقع لك.

فقال: قل له: إن صحّت رؤياك هذه، فستغلب ابن الزبير على الأرض، ويملك الأرض من صلبك، أربعة ملوك.

فمضى الرجل إلى عبد الملك، فأخبره، فعجب من فطنة ابن سيرين، وقال: ارجع إليه، وقل له: من أين قلت هذا؟

فرجع الرجل إليه.

فقال له: إنّ الغالب في النوم مغلوب، وتمكّنه على الأرض غلبة عليها، والأوتاد الأربعة، التي أوتدها في الأرض، هم ملوك يتمكّنون في الأرض، كما تمكّنت الأوتاد.

قال أبو القاسم الآمديّ: فأردت أن أقول لأبي أحمد، هذا، وما وقع

لي من القياس عليه، في تعبير رؤياه، فكرهت ذلك، لأنّه كان يكون سوء أدب، وقباحة عشرة، ونعيا لنفسه.

فما مضت الأيّام، حتى قبض البريدي عليه، وكان من أمره ما كان.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.