تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

كيف اتصل الفضل بن مروان بالمأمون ووزر له

حدّثنا أبو الحسين قال: حدّثنا أبو عبد الله الباقطائي، قال: حدّثني أبو الفضل عون بن هارون بن مخلد بن أبان، وكان كاتب المأمون، على ديوان الضياع، قال: [قال] ميمون: سمعت الفضل بن مروان يقول:

لا ينبغي لأحد أن يحقر أحدا، ولا يأيس من علوّه، فإني كنت في حداثتي أتوكّل لهرثمة بن أعين في مطبخه، أيام الرشيد، وكان بخيلا، وكان له خادم يشرف على مطبخه، وأجرى عليّ خمسة عشر درهما في الشهر، ووظيفة خبز.

فلما كثر توفيري عليه، صيّرها عشرين درهما.

وكنت لا آكل من مطبخه شيئا، فسأل الخادم عن أكلي، فعرّفه أنّي لا آكل، فأمره أن يطعمني من المطبخ كلّ يوم، ويوفّر الوظيفة على منزلي.

فدعا يوما دعوة عظيمة، فوفرت عليه في الأسعار ألف درهم، وعرضت عليه بذلك عملا، فسرّه، وحسن موقعه منه، وكان بخيلا جدا.

فقال لي يوما: قد استحققت الزيادة، فكم تحب أن أزيدك؟

فقلت: لا أقلّ من عشرة دراهم أخرى.

فقال: هذا كثير، ولكن أربعة دراهم.

فأيست من خيره، واتفق له بعد ذلك، خروج عن مدينة السلام، فتعاللت عليه، ولم أتبعه، ولزمت الديوان، وتعلّمت، فصرت كاتب مجلس في ديوان الرشبد، وكان ذلك أوّل إقبالي، وتخرّجت، وزادت حالي مع الأيّام.

فلما ولي المأمون، وعظّم من أمر المعتصم، كان المعتصم شديد المحبّة للصيد، وكنت في فتنة محمد المخلوع، قد صرفت ما كنت جمعته في ضياع وبساتين بالبردان وصاهرت بعض تنّائها، واجتمعت لي حال، فلما انجلت الفتنة، كنت من وجوه البردان.

فاجتاز بها المعتصم، منصرفا من صيده، متسرّعا، وليس معه من أصحابه كبير أحد.

فاجتاز في الطريق، وأنا واقف على بابي، فتوسّمت فيه الجلالة، وقدّرته أحد وجوه القوّاد.

كان لي وعد على عامل البلد، أن يكون ذلك اليوم في دعوتي، وقد أعددت له طعاما، وفيه جداء، وحلوى، وفاكهة كثيرة، وثلج استدعيته من بغداد، وكان قبل ذلك بساعة، قد جاءني خبر العامل، أنّه عرض له مهمّ في السواد، فخرج لوقته.

فلما رأيت المعتصم، وتوسّمت فيه الجلالة، قلت: لم لا أحلف على هذا القائد، وأضيفه عندي على هذا الطعام المعدّ؟

قال: فكلّمته، وسألته النزول عندي.

فأجاب، ونزل، وأكل، وشرب، وأنفذت في الحال، فاستدعيت له

قيانا، وجلس يشرب، وقد انبسطت بين يديه، وخدمته.

فنحن نشرب، انبثّ الجيش في طلبه، وعرفوا خبره، وأحاطوا بالدار، فعرفت حينئذ، أنّه أخو الخليفة، فهبته.

فبسطني، وسألني عن شرح حالي، فعرّفته، فقال: لا بد أن تجيء معي إلى بغداد.

وقلّدني بعض أموره، ثم تزايدت حالي عنده، إلى أن جمع لي جميع أمره، ورياسة كتّابه.

ثم خلطني بخدمة المأمون، وقلّدني ديوان الخراج مضافا إلى كتبة أخيه.

ثم رقّيت إلى الوزارة، من تلك الحال التي كنت عليها مع هرثمة.

قال أبو الحسين: ما رؤي في الدولة العباسية، من الكتّاب، من اتّصل تصرّفه منذ نشأ، إلى أن مات، وتردّدت ولايته الوزارة، وديوان الخراج، وديوان الضياع، من غير أن يتعطّل، أحد، غير الفضل بن مروان.

وصادره المعتصم على أربعين ألف ألف درهم، فأداها بغير مكروه.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.