تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الوزير ابن الفرات يحاسب عاملا

حدّثني أبو الحسين علي بن هشام أبي قيراط، الكاتب البغدادي، قال:

سمعت أبا الحسن، عليّ بن محمد بن الفرات، يحدّث:

قال: كان النهيكي العامل، قد لازم أبا القاسم عبيد الله بن سليمان في أيّام نكبته، فلم يكن له- لما ولي الوزارة- همّ، إلّا الإحسان إليه.

فقلّده بادوريا، وكان لا يتقلّدها إلّا جلّة الناس.

ولقد سمعت أخي أبا العباس يقول: إنّ من صلح لتقلّد بادوريا، صلح أن يتقلد ديوان الخراج، ومن صلح لديوان الخراج، صلح للوزارة.

قال: والسبب في هذا أنّ المعاملات ببادوريا، كثيرة مختلفة، وأنّها عرصة المملكة، وعاملها يعامل أولاد الخلافة، والوزراء، والقوّاد، والكتّاب، والأشراف، ووجوه الرعية، فإذا ضبط اختلاف تلك العادات، وقام بإرضاء هذه الطبقات، صلح للأمور الكبار.

قال أبو الحسن: فأقام النهيكيّ، يتولّى بادوريا نحو سنتين، مدّة تقلّد عبد الرحمن بن محمد بن يزداد لديوان الخراج، في أيام عبيد الله، ثم مدّة أيام أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي الأصبغ.

إلى أن أطلقت أنا وأخي، وتقلّد [أخي] ديوان زمام الخراج، وزمام ديوان الضياع، وخلفته عليهما.

فكنّا إذا كاتبنا النهيكي في رفع الحساب، لم يجبنا، إدلالا لمحله من الوزارة، وتعفّفه، فإنه كان مشهورا بالعفّة، وإذا كاتبناه في شيء من أمور العمل، أقلّ الحفل بكتبنا.

فلما طالت المدّة علينا، ألححنا عليه بالمطالبة برفع الحساب، وشكوناه إلى

الوزير فوكّل به من داره، مستحثا له في رفع الحساب لعدّة سنين.

فتشاغلت أنا بعمل مؤامرة له، فلم أجد عليه كثير تأوّل، وحضرنا بين يدي عبيد الله لمناظرته.

وقد كنت، صدّرت أول باب من المؤامرة، بأنّه فصّل تفصيلا، ثمن الغلّة المبيعة، جملته على حسب ما يوجبه التفصيل، أكثر من الجملة التي أوردها بألف دينار.

فقال: أتتبّع، فما زال يتتبّع، إلى أن صحّ الباب عليه، وقال: وما هذا؟ غلط الكاتب في الجملة.

فبدأت أكلّمه، فأسكتني أخي، وأقبل على عبيد الله، فقال: أيها الوزير، صدق، هذا غلط في الحساب، فالدنانير في كيس من حصلت؟

فقال له عبيد الله: صدق أبو العباس، والله، لا وليت لي عملا يا لصّ.

ثم أتبعت هذا الباب، بباب آخر، وهو ما رفعه ناقصا عمّا كان قدّم به كتابه في كيل غلّة عند قسمتها.

فلما لاحت عليه الحجة، قال: أريد كتابي بعينه.

فبدأت أكلّمه، فأسكتني أخي، ثم قال: أيها الوزير، يطعن في ديوانك، ونسخ الكتب الواردة، والنافذة، شاهدا عدل.

فقال: صدق، يا عدوّ الله، وأمر بسحبه، فسحب.

وما برحنا، حتى أخذ خطّه بثلاثة عشر ألف دينار، وأهلكناه بهذا، وما عمل بعد هذا كثير عمل.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.