من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
أبو خازم القاضي يطالب الخليفة المعتضد بما في ذمته للوقف
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني وكيع القاضي.
قال أبو الحسين: وقد رأيت محمد بن خلف، وكيع، وكتبت عنه أشياء كثيرة، ليس هذا منها.
قال: كنت أتقلّد لأبي خازم، وقوفا في أيام المعتضد، منها وقوف الحسن بن سهل».
فلما استكثر المعتضد من عمارة القصر المعروف بالحسني، أدخل إليه،
بعض وقوف للحسن بن سهل، كانت في يدي، ومجاورة للقصر.
وبلغت السنة آخرها، وقد جبيت مالها، إلّا ما أخذه المعتضد.
فجئت إلى أبي خازم، فعرّفته اجتماع مال السنة، واستأذنته في قسمته في سبله، وعلى أهل الوقف.
فقال لي: فهل جبيت ما على أمير المؤمنين؟
فقلت: ومن يجسر على مطالبة الخليفة؟
فقال: والله، لا قسمت الارتفاع، أو تأخذ ما عليه، وو الله، لئن لم يزح العلة، لا وليت له عملا.
ثم قال: امض إليه الساعة، وطالبه.
فقلت: من يوصلني؟
فقال: امض إلى صافي الحرمي، وقل: إنّك رسولي، أنفذتك في مهمّ، فإذا وصلت، فعرّفه ما قلت لك.
فجئت، وقلت لصافي ذلك، فأوصلني، وكان آخر النهار.
فلما مثلت بين يدي الخليفة، ظنّ أمرا عظيما قد حدث، فقال لي:
هي، قل، كأنّه متشوّف.
فقلت: أنا ألي لعبد الحميد، قاضي أمير المؤمنين، وقوف الحسن بن
سهل، ومنها، ما قد أدخله أمير المؤمنين إلى قصره، ولما جبيت مال هذه السنة، امتنع من تفرقته، إلى أن أجبي ما على أمير المؤمنين، وأنفذني الساعة قاصدا لهذا السبب، فأمرني أن أقول: إنّي حضرت في مهمّ، لأصل.
قال: فسكت ساعة متفكرا، ثم قال: أصاب عبد الحميد، يا صافي، هات الصندوق.
قال: فأحضر صندوقا لطيفا.
فقال: كم يجب لك؟
فقلت: الذي جبيت عام أوّل من ارتفاع هذه العقارات، أربعمائة دينار.
قال: فكيف حذقك بالنقد والوزن؟
فقلت: أعرفهما.
قال: هاتوا ميزانا، فجاءوا بميزان حرّاني حسن، عليه حلية ذهب، فأخرج من الصندوق دنانير عينا، فوزن منها أربعمائة دينار، وقبضتها، وانصرفت إلى أبي خازم بالخبر.
فقال: أضفها إلى ما اجتمع للوقف عندك، وفرّقه في غد، في سبله، ولا تؤخّر ذلك، ففعلت.
فكثر شكر الناس لأبي خازم، لهذا السبب، وإقدامه على الخليفة، بمثل ذلك، وشكر هم للمعتضد ﵁، في إنصافه.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع