من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
كيف تمكن عبيد الله بن يحيى بن خاقان من المتوكل
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبو عبد الله بن عليّ الباقطائي، قال: حدّثنا أبو جعفر أحمد بن إسرائيل، قال:
كان سبب رفعه عبيد الله بن يحيى، طلب المتوكل لحدث من أولاد الكتّاب، يوقّع بحضرته في الأبنية والمهمّات، لأنّه كان قد أسقط الوزارة، بعد صرف محمد بن الفضل الجرجرائي، واقتصر على أصحاب الدواوين،.
وأمرهم أن يعرضوا الأعمال بأنفسهم، وجعل التاريخ في الكتب، باسم وصيف التركي، وانتصب منصب الوزارة، وإن كان لم يسمّ بها.
فأسمي له جماعة، فاختار عبيد الله من بينهم.
فحضر أول يوم، فصلّى في الدار ركعات، وجلس وعليه قباء وسيف ومنطقة وشاشية، على رسم الكتاب.
قال أبو الحسين: لأنه لم يكن أحد يصل إلى الخليفة، إلّا بقباء وسيف ومنطقة من الناس كلهم، إلّا القضاة، لا في موكب، ولا غيره، فإذا كان يوم موكب، كانت الأقبية كلها سوادا، وإذا كان غير يوم موكب، فربما كانت من بياض، وفي الأكثر سوادا.
فلما صلّى عبيد الله، وجلس، لم يجتز به أحد من الحاشية، كبير ولا صغير، الّا قام إليه قائما، وسلّم عليه، حتى قام إلى رئيس الفرّاشين.
فرآه بعض الحاشية، فقال: من هذا الشقيّ الذي قد قام لسائر الناس، حتى قام إلى الكلاب؟
فقيل له: فلان.
ثم أذن له المتوكل، لما خلا، فدخل إليه، وكان على رأسه قلنسوة سوداء شاشية، وكان طويل العنق، فظهرت عنقه.
فلما رآه المتوكل، أومأ بيده إلى قفاه، ومسحه شبه صفعة، فأخذ عبيد الله يده فقبّلها.
فنفق عليه، وخفّ على قلبه، وسرّ بذلك، واستخفّ روحه.
وقال له: اكتب.
فكتب وهو قائم: (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)
، إلى قوله ﷿ (وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً)
فكتب: وينصرك الله- يا أمير المؤمنين- نصرا عزيزا، فزاد ذلك في تقبّل المتوكل له، وتفاءل بذلك.
وقال له: الزم الدار، فكان يلزمها منذ السحر، إلى وقت نوم المتوكل في الليل.
وقوي أمره مع الأيام، حتى صار يعرض الأعمال، كما كان الوزراء يعرضونها، وليس هو بعد وزير، والتاريخ لوصيف.
فأمره المتوكل في بعض الأيام، أن يكتب نسخة في أمر الأبنية، فقال:
نعم.
فلما كان بعد ساعة، سأله، هل كتبت؟
فقال: لم يكن معي دواة.
فقال: اكتب الساعة، فاستحضر دواة.
وكان ايتاخ الحاجب قائما، يسمع ذلك، فلما خرج عبيد الله،
قال له: إنّما طلبك أمير المؤمنين، لتكتب بين يديه، فإذا حضرت بلا دواة فلأيّ شيء تجيء؟
فقال له عبيد الله: وأيّ مدخل لك أنت في هذا؟ أنت حاجب أو وزير؟
فاغتاظ من ذلك، فأمر به فبطح، وضربه على رجليه عشرين مقرعة، وقال له: الآن علمت أنّ لي فيه مدخلا؟
فلم يتأخّر عبيد الله عن الخدمة، وعاد، فجعل يمشي ويعرج، فسأل المتوكل عن خبره، فعرف الصورة، فغلظ عليه ذلك، وقال: إنّما قصده إيتاخ لمحبّتي له.
وكان قد اجتمع في نفس المتوكل من إيتاخ العظائم، مما كان يعمل به في أيام الواثق، ولا يقدر له على نكبة، لتمكّنه من الأتراك.
فأمر بأن يخلع على عبيد الله من الغد، وأن لا يعرض أحد من أصحاب الدواوين عليه شيئا، وأن يدفعوا أعمالهم إليه ليعرضها، وأجرى له في كل شهر عشرة آلاف درهم.
فندم إيتاخ على ما فعله، وجعل يداري عبيد الله، ويثاقفه.
وقوي أمر عبيد الله، حتى حذف بنفسه، من غير أمر، اسم وصيف من التاريخ، وأثبت اسمه.
ثم أمر له المتوكل برزق الوزارة، ثم خوطب بالوزارة، بعد مديدة، وخلع عليه لها خلعا أخر.
ثم قلّده كتابة المعتز، وخلع عليه.
ثم قلّده كتابة المؤيد، وخلع عليه.
وضمّ المتوكل إلى ابنيه، بضعة عشر ألف رجل، وجعل تدبيرهم إلى عبيد الله، فكان وزيرا أميرا.
فلما تمكّن، هذا التمكّن بالحيش، والمحل، عارض إيتاخ، وبطّأ حوائجه، وقصده، ووضع من كتّابه، ولم يزل ذلك يقوى من فعله، إلى أن دبّر على إيتاخ، فقتله على يد إسحاق بن إبراهيم الطاهريّ ببغداد، بعد عود إيتاخ من الحجّ.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع