تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الواثق ومحمد بن عبد الملك الزيات

حدّثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا الحسن علي بن الحسن، الكاتب المعروف بابن الماشطة، وكان يتقلّد قديما العمالات، ثم صار من شيوخ الكتاب، وتقلّد في أيّام حامد بن العباس، ديوان بيت المال، قال:

سمعت أبا الفضل، وهو يحكي عن أبيه، وهو [ابن] الفضل بن مروان، قال:

كان في نفس الواثق، على محمد بن عبد الملك الزيّات، العظائم، ممّا كان يعامله به في أيّام أبيه.

فمن ذلك: أنّ المعلّم شكا إلى المعتصم، أنّ الواثق لا يتعلّم، فإذا طالبه بذلك، شتمه، ووثب عليه، فأمر المعتصم محمدا، بأن يضرب الواثق أربع مقارع.

فخرج محمد، واستدعى الواثق، وضربه ثلاث عشرة مقرعة، حتى مرض.

فلما عرف أبوه الخبر، أنكر ذلك، وحلف للواثق، أنّه ما أمر محمدا، إلّا أن يضربه أربع مقارع، فأخفاها في نفسه، فكان يبغضه.

وعلم محمد بذلك، فكان يقصده في ضياعه وأملاكه، لما ترعرع، وصار أميرا.

فوقّع المعتصم يوما، أن يقطع الواثق، ما ارتفاعه ألف ألف درهم، فمحاها محمد، وكتب: ما قيمته ألف ألف درهم.

فلما دخل إليه الخادم، وعرّفه ما عمله محمد، وثب إلى أبيه، وعرّفه ذلك، وعرض التوقيع عليه.

فقال له المعتصم: ما أغيّر ما وقّعت به، وما أرى في التوقيع إصلاحا، وكان محمد قد أجاد محوه.

وعلم المعتصم، أنّ رأي محمد في الاقتصاد، أصلح، فبطل ما كان يريده الواثق، وانصرف.

فقال للخادم: قد تمّ علي من هذا الكلب، كل مكروه، فإن أفضت الخلافة إليّ، فقتلني الله، إن لم أقتله.

ثم قال له: أنت خادمي، وثقتي، فإن أفضى هذا الأمر إليّ، فاقتله ساعة أخاطب بالخلافة، ولا تشاورني، وجئني برأسه.

قال: فمضت الأيام، وتقلّد الواثق، فحضر الدار في أوّل يوم، محمد ابن عبد الملك، مع الكتّاب.

فتقدّم الواثق إلى الكتّاب دونه، بأن يكتب كلّ منهم نسخة، بخبر وفاة المعتصم، وتقلّده الخلافة، فكتبوا بأسرهم، وعرضوا ذلك عليه، فلم يرضه.

فقال لمحمد: اكتب أنت.

فكتب في الحال، بلا نسخة، كتابا حسنا، وعرضه، فاستحسنه، وأمر بتحرير الكتب عليه.

ولم يبرح من حضرته، حتى أقرّه على الوزارة، وخرج من بين يديه، والناس كلهم خلفه.

قال الخادم: فعجبت من ذلك، وقلت: تراه أنسي ما كان أمرني به؟

لم لا أستأذنه في ذلك، وأذكّره به؟

فتقدّمت إليه لما خلا، وأذكرته الحديث، واستأذنته، فقال: ويحك، السلطان إلى محمد بن عبد الملك، أحوج من محمد إلى السلطان، دعه.

قال: فرقّاه الواثق إلى ما لم يرقّه إليه المعتصم.

قال الفضل بن مروان: ولا نعلم وزيرا، وزّر وزارة واحدة، بلا صرف، لثلاثة خلفاء متّسقين، غير محمد بن عبد الملك.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.