من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
أبو خليفة يصطفي شعر عمران بن حطان
وحدّثني [أبو عليّ الإيذجيّ، قال: كان أبو خليفة]، صديقا لأبي وعمّي، منذ أيّام وفد إلى كور الأهواز، في فتنة الزنج.
فلما قدمت البصرة، قدمتها مع أبي، فأنزلنا أبو خليفة داره، وأكرمنا، ومكّنني من كتبه، فكنت أقرأ عليه، كلّما أريد، وأسمع كيف شئت وأحبّ، وأكتب وأنسخ لنفسي أصوله.
فإذا كان الليل، جلسنا، وتحادثنا، فربما رمت القراءة عليه، فيجيبني، فإذا أضجرته بكثرة القراءة عليه، يقول: يا بنيّ، روّحني، فأقطع القراءة.
وإذا استراح، أخرج من كمّه دفترا، من ورق أصفر، من الورق العتيق، فيقول: إقرأ عليّ من هذا، فإنّه خطّي، وما تقرأه عليّ، فهو غير خطّي.
فكنت أقرأ عليه منه، وكان فيه ديوان عمران بن حطان، وكان يبكي، على مواضع منه.
فأنشدته ليلة، القصيدة التي منها:
يا ضربة من تقيّ ما أراد بهاإلّا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إنّي لأذكره يوما فأحسبهأحظى البريّة عند الله ميزانا
فبكى عليهما، لمّا انتهيت إليهما، حتى كاد أن يغمى عليه، فاستطرفت ذلك، وعجبت منه.
فلما كان من الغد، اجتمعت مع المفجّع، فحدّثته بذلك، واغتررت به، للأدب، واستكتمته إيّاه، فأشاعه، وعمل:
أبو خليفة مطويّ على دخنللهاشميّين في سرّ وإعلان
ما زلت أعرف ما يخفي وأنكرهحتى اصطفى شعر عمران بن حطان
وأنشدنيها لنفسه، وأنشدها غيري، فكتبها عنه بعض أهل الأدب، في رقعة لطيفة، وجعلها في مقلمته.
وحضرنا عند أبي خليفة في مجلس عام، فنفض الرجل مقلمته ليرى ما فيها، فسقطت الرقعة، وانصرف، فوجدها أبو خليفة، وقرأها، فاشتدّ ذلك عليه، وقال: إنّ الإيذجيّ، قبحه الله، وترحه، شاط بدمي، عليّ بأبي العباس الساعة- يعني والدي- فجاءه، فحدّثه الحديث، فوقعت في ورطة، وكادت الحال أن تنفرج، بيني وبين أبي، ومنعني أبو خليفة القراءة، واحتشمني، فحملت إليه ثيابا لها قدر، وأهديت إليه من مآكل الهند، واعتذرت إليه، فرجع، وقبل عذري، وعاود تدريسي، ومكّنني من القراءة عليه، فقرأت كتاب الطبقات، وغيره، ممّا كان عنده.
وقال: فلا أظهر الرضى عنك، أو تكذّب نفسك. ففعلت ذلك، وأعطيت المفجّع ثوبا دبيقيّا، حتى كفّ عن إنشاد الأبيات، وجحدها، واعتذر إلى أبي خليفة.
وقال لي أبو عليّ عقيب هذا: أكثر رواة علم العرب، فيما بلغني عنهم، إمّا خوارج، أو شعوبيّة، كأبي حاتم السجستاني، وأبي عبيدة معمر بن المثنى، وفلان، وفلان، وعدّد جماعة.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع