تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

جرأة وزير على أخذ أموال السلطان

حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد، قال: قال لي نافذ، خادم أبي وثقته، وكان يتولى نفقته:

إنّي ما رأيت أجسر من مولاي، على أخذ مال السلطان.

ومن ذلك، أنّي باكرته يوما، وقد لبس سواده، ليمضي إلى دار المعتمد، وهو إذ ذاك يتولى دواوين الأزمّة والتوقيع، وبيت المال.

فقلت له: قد صككت عليّ البارحة للمعاملين، بألف وستمائة دينار، وما عندي من ذلك حبّة واحدة.

فقال لي: يا بغيض، تخاطبني في هذه الساعة؟ أين كنت عن خطابي البارحة لأوجّه لها وجها؟ ولكن اتبعني إلى دار السلطان.

فتبعته.

ودخل إلى المعتمد، مع عبيد الله بن يحيى الوزير، ودخل معهما أحمد ابن صالح بن شيرزاد، صاحب ديوان الخراج، فلما خرج، قال لي:

امض إلى صاحب بيت المال، فخذ منه ما يسلّمه إليك.

فظننت أنّه قد استسلف على رزقه شيئا، فمضيت إلى صاحب بيت المال، فسلم إليّ ثلاثين ألف دينار.

فاستعظمت ذلك، وعلمت أنّه ليس من الرزق، وحملتها إلى الدار، وعرّفته خبرها.

فقال لي: أنفق منها ما وقّعت به إليك، واحفظ الباقي، فليس في كلّ وقت يتّفق لنا مثل هذا.

ومضى على الحديث أيام، ودعا دعوة، فيها صاعد بن مخلد، وإليه- إذ ذاك- عدّة دواوين، وجماعة من الكتّاب، وأكلوا، وناموا، وانتبهوا.

فإذا كاتب من كتّاب أحمد بن صالح بن شيرزاد، يستأذن عليّ، فاستأذنت لدخوله على مولاي، وكانوا قد بدأوا بالشرب.

فترك مولاي المجلس، وخرج إلى بيت الخلوة، واستدعى الرجل، فأدخله إليه.

فسمعته يقول: أخوك أبو بكر، يقرأ عليك السلام- يعني أحمد بن صالح- ويقول لك: أنت تعرف رسمي مع صاحب بيت المال، وأنّ

محاسبته في سائر الأموال إليّ، وأنا إذا تمّت ثلاثون يوما، وجّهت صاحبي إلى حساب بيت المال، فحمله مع صاحب بيت المال، لينظّم دستور الختمة بحضرتي، وأصحّح حكاياتها.

ونحن منذ عشرة أيام في هذا، حتى انتظمت الحسبة، ولم يبق إلّا ثلاثون ألف دينار، ذكر صاحب بيت المال، أنّك خرجت إليه، من حضرة أمير المؤمنين، فأمرته بحملها إلى خادمك نافذ، ولست أدري في أية جهة صرفت؟

ولا في أي باب أثبتها؟ ولا ما الحجة فيها؟

قال: فأجابه مولاي بلا توقّف، وقال: أخي أبو بكر- والله- رقيع، أسأل أنا الخليفة، في أي شيء صرف ما أمر أن يحمل إلى حضرته؟ يجب أن يكتب في الختمة: وما حمل إلى حضرة أمير المؤمنين في يوم كذا وكذا، ثلاثون ألف دينار.

قال: فقام الكاتب خجلا، ومرّ ذلك في الحساب على هذا، فما تنبّه أحد عليه، وحصل له المال.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.