من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
ابن الفرات وأحد طلاب الوزارة
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبو الحسن بن الفرات، قال:
دخل عليّ المقتدر يوما، وأنا في حبسه، في وزارة حامد، فقال لي:
يا أبا الحسن، أتعرف الحسن بن محمد الكرخي الكاتب؟
فقلت: نعم.
قال: أي شيء هو من الناس؟
قلت: عامل، له محلّ، ويفهم في الحساب شيئا، وهو من صنائعي، ووجوه عمّالي، وقد كان قبل، تقلّد عمالات لعبيد الله بن سليمان، وهو أخو القاسم بن محمد الكرخي، وهو من أهل بيت.
قال: فقال لي: إنّه قد كتب إليّ يخطب الوزارة، ويتضمّن بحامد، وبعليّ بن عيسى.
قال: فقلت له: ولا كلّ هذا يا أمير المؤمنين، إنّ هذا، إنّما طمع في الأمر لما رأى حامدا قد تقلّد الوزارة، ولعمري إنّها قد اتضعت بتقلّده،
وطمع فيها كل أحد، ولعمري أنّه فوق حامد، أولا في العفافة، وحفظ اللسان، والحساب والخط، ولكن ليس لأنّه فوق حامد، يجب أن يقلّد الوزارة، ولا لأنّ الغلط جرى في أمر حامد، يجب أن يقلّد هذا، على أنّه غلط في ظنّه أنّه يصلح لصرف حامد، لأنّ حامدا رجل قديم الرياسة في العمال، وله مروءة عظيمة، وضياع كثيرة، وغلمان كثير والعدد، وله هيبة، وسطوة، وسنّ، ونشأ بعيدا عن الحضرة، فلم تستشفّ أخلاقه، وأفعاله، فانستر أمره عن أهلها، وله كرم يغطي كثيرا من معايبه، وترك الأمر في يده، ويد عليّ بن عيسى، وهو لا يلحق بعض كتّابه، فضلا عنه [أولى]، وإنّي لأقول الحق فيهما، على عداوتهما لي.
قال: فأضرب المقتدر عن تقليده.
قال هشام: ثم تمّ التدبير لأبي الحسن، في الوزارة، وصرف حامد، فحين جاءه الحسن بن محمد الكرخي، أبو أحمد، ذكر تلك الحال التي حدّثه بها المقتدر، فهاب الحسن بن محمد، على الأمر، ورآه بعين رجل بعيد الهمّة، وعرف تقلّب رأي المقتدر، فرأى أن يحسن إلى الحسن بن محمد، ويبعده عن الأعمال، فقلّده الموصل، وأخرجه إليها صارفا لابن حماد.
فانتفع الكرخي بذلك الشروع.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع