تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

علو نفس الحسن بن مخلد

حدّثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن بدر ابن [أبي] الأصبغ، يحدّث أبي، قال: كنت أتصرّف مع سليمان بن وهب، لقرابة كانت بيننا من جهة النساء، وكانت حالي بصحبته في نهاية السعة، حتى إنّه كان يطحن الزعفران في داري، كما يطحن الناس الدقيق، لكثرة ما كان يجيئنا من الجبل، ونستعمله، ونهديه.

فولي سليمان ديوان الخراج، فكنت أحد عماله فيه، فوقعت بيني وبين ابنه عبيد الله نفرة، فلزمت منزلي أياما.

فما شعرت إلّا برقعة الحسن بن مخلد، يستدعيني وهو يتولّى ديوان الضياع، وكانت بينهما مماظّة، فمضيت إليه، فقال لي: أنت معطّل ولا تصير إليّ؟ وقد انفصل ما بينك وبين أبي أيوب؟

فقلت: يا سيدي، كيف ينفصل ما بيننا، مع القرابة؟ ولكن بيننا عتب.

فقال: دع ذا، أنت معطّل، وما تبرح حتى أقلّدك عملا.

قال: وأراد اجتذابي لناحيته، وكان الناس- إذ ذاك- يتغايرون على الكفاة.

فقلّدني أعمال السيب الأسفل، وقسّين، وجنبلا، وكانت تجري في ديوانه، فقبلتها.

وخرجت إليها، وكان الأرز قد قارب الإدراك، فقدّرته، وعدت إلى سرّ من رأى، لأشرح له حال التقدير، وأستأمره في العمل.

فلما بصر بي قال: قد قدمت على فاقة منّي إليك، قد تأذيت بالفلّاحين، وأريد لهم عشرة آلاف دينار سلفا لما يقيمونه في جبل باسورين من الثلج.

فقلت له: الأرز خافور، وما بلغ إلى أن يحرز.

فقال: لا بدّ من أن تستفرغ جهدك، وحيلتك، في هذا، حتى تخفّف عنّي.

وكان، أول خدمة، فاحتجت أن أضطرب، لأصنّع نفسي عنده، فخرجت مفكرا فيما أعمله.

فلإقبالي، لقيني رجل من وجوه التجار في الطريق، وكانت بيننا مودّة، وكان موسرا، وكان جميع متجره غلّات السلطان، فبدأني بالعتاب على تركي مبايعته شيئا بالسلف من غلّات عملي.

فاجتذبته إلى منزلي، وقلت: البيت لك، فاحتفل، ولو رأيتك ما عدلت عنك.

قال: فأقام عندي يومه، ولم أزل حتى بعته بحساب الكرّ الأرز المعدّل، بسبعة دنانير، وكنت قد قدّرت الحاصل فيه للسلطان، ثلاثة آلاف كرّ معدّل، واستثنيت عليه في كل كرّ دينارا، وأخذت خطّه بضمانة تعجيل عشرة آلاف دينار، لمن يؤمر بأدائها إليه.

ورحت إلى دار الحسن بن مخلد، فوجدته نائما، والناس مطرّحون في داره، ثم دخلت إليه، وشرحت له الصورة، فسرّ بها، وأمر بإحضار صاحب مجلس النفقات في الديوان، وسلّم الرقعة إليه، وقال: أحل الفلّاحين على هذا التاجر.

فلمّا خلا مجلسه، تقدّمت إليه، وعرّفته خبر الاستثناء، وأريته الخطّ، وقلت: إلى من أسلّم المال، إذا قبض؟

فلم يجبني، فأححت عليه.

فقال لي: يا هذا، إنّك صحبت قوما، لا مروءة لهم، فتعوّدت منهم، أن تعطو نفوسهم إلى مضايقة خدمهم في هذا القدر، وما هو أتفه منه، وإذا أخذت أنا هذا المرفق، فأنت لم تخدمني، وتتبعني؟ خذ هذا وأصلح به حالك، ليبين عليك أثر خدمتك لي.

فقبلت يده، ورجله، وعدت إلى عملي، واستخرجت المال، ودبّرت العمل.

وحضر بعد مديدة، النوروز، وقد كنت مذ خرجت من حضرته، سألت ثقات إخواني من التجار في الأسواق، أن يجمعوا لي كل علق، حسن، غريب، طريف، مثمن، من فرش ديباج مثقل، وأبي قلمون مذهب،

ووشي، ودبيقي مرتفع، وقصب.

قال: فجمع لي من ذلك، ما كان شراه خمسة آلاف دينار، وهو يساوي أكثر منها بكثير.

ثم كتبت إليه رقعة في معنى الهدية، وتضرّعت في قبولها، وتشبّثت بذلك، وكتبت ثبت الهدية، في أسفل الرقعة.

فكتب إليّ فيها: لك أكرمك الله، بنات، وهنّ إلى هذا أحوج منّي، وقد قبلت ما يصلح قبوله أنسا بك، وإسقاطا للحشمة معك، ورددت إليك الباقي، ليكون لهنّ.

وكان الذي قبله، ثوب قصب، ومنديل دبيقي، وشستجة قصب.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.