تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الوزير علي بن عيسى يرفع التكملة ويضع الخراج على الشجر

حدّثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا عبد الله الباقطائي، يقول:

وحكى لي أبي ذلك، قالا:

إنّ السجزيّة لما غلبوا على فارس، أجلي قوم من أهل الخراج عنها، لسوء المعاملة، ففضّوا خراجهم على الموجودين، وسمّوا ذلك:

التكملة، حتى يكمل به مال قانون فارس- كان- متقدما.

ولم تزل الحال في ذلك، تزيد تارة، وتنقص أخرى، إلى أن افتتح أبو

الحسن بن الفرات، في وزارته الأولى، فارس، على يد وصيف، ومحمد بن جعفر العبرتائي، ومن ضمّه إليهما من القوّاد في سنة ثماني وتسعين ومائتين.

فأمر ابن الفرات، بإجراء الأمر في التكملة، على ما كان جاريا عليه.

وجرى الأمر على ذلك، في أيام محمد بن عبيد الله الخاقاني، وفعله عليّ بن عيسى، في صدر وزارته الأولى.

فلما مضت منها مديدة، صار إلى مدينة السلام، عبد الرحمن بن جعفر

الشيرازي، وطعن على محمد بن أحمد بن أبي البغل، وكان- إذ ذاك- يتقلّد فارس، وذكر أنّه إن ضمن العمل مكانه، وفرّ جملة من المال، فضمّنه عليّ بن عيسى، وانصرف ابن أبي البغل عما كان يتقلّده أمانة، وقلّده أصبهان.

ثم أخّر عبد الرحمن بن جعفر المال، واحتجّ بأن أهل فارس يتظلّمون من التكملة، ولا يلتزمونها.

وكان أبو المنذر النعمان بن عبد الله، يتقلّد ديوان كور الأهواز، مجموعة، فكتب إليه عليّ بن عيسى، أن يستخلف على أعماله، وينفذ إلى

فارس، فيطالب عبد الرحمن بما حلّ عليه من المال، وينظر في هذه التكملة، ويشرح أمرها.

وكتب إلى أحمد بن محمد بن رستم بأن يصير من أصبهان إلى فارس ليضمنها.

وكتب إلى النعمان، بحلّ ضمان عبد الرحمن، وعقد البلد على ابن رستم.

فاستخرج النعمان التكملة، ووجد قطعة منها على عبد الرحمن، قد قدّر أن يكسرها، فعسفه، وباع قطعة من أملاكه، حتى استوفى ذلك.

وكتب إليه عليّ بن عيسى يسأله عن التكملة، وأن يشرح له أمرها، وأنّه قد صار يستضعف قوم فيلزمون منها أكثر ممّا يجب عليهم، ويرهب قوم، فيسامحون بها، أو بأكثرها.

فكتب إليه النعمان وابن رستم: إنّ من طرائف ما يجري بفارس، أنّ الناس يطالبون بالتكملة، وهي ظلم صراح، سنّه الخوارج، ويترك عليهم ما قد أوجبه الفقهاء، وهو خراج الشّجر، لأنّ فارس افتتحت عنوة، وليس على الشجر بها خراج، وأرباب الشجر يذكرون، أنّ المهديّ أسقط عنهم خراج الشجر، وليس لهم حجّة بذلك، إلّا طول مدة الرسم، والأصل وجوب الخراج على الشجر.

فتسامع أهل البلد بالخبر، فتبادر أجلّاؤهم إلى حضرة عليّ بن عيسى من فارس، فدخلوا مجلسه للمظالم، وفي أكمامهم حنطة محرقة.

فلما تظلّموا، قالوا له: نمنع من إطلاق غلّاتنا، وتعتقل علينا

في الكناديج، إلى أن تعفن وتصير هكذا- ورموا بالحنطة المحرقة من أكمامهم- حتى نبيع شعورنا، ونؤدي التكملة الباطلة، حتى تطلق غلّاتنا وقد احترقت هكذا.

ورمى قوم من أكمامهم بتين يابس، وخوخ مقدّد، ولوز، وفستق، وبندق، وغبيراء، ونبق، وبلّوط، وقالوا: هذا كلّه بغير خراج، لقوم آخرين، والبلد عنوة، فأمّا تساوينا في الإحسان أو الاستيفاء.

فخاطب عليّ بن عيسى، في ذلك، الخليفة، واستأذنه في جمع الفقهاء، والقضاة، ومشايخ الكتّاب، ووجوه العمّال، وجلّة القوّاد، ومناظرة القوم بحضرته، وتقرير الأمر على ما يوجب الحقّ- عند الجماعة- والعدل، فأذن له في ذلك.

فجمع الناس في دار المخرّم، التي كانت برسم الوزارة، وصيّرها

عليّ بن عيسى ديوانا، وطالت المناظرات، واحتجّ من حضر من أرباب الشجر، بفعل المهدي، وقالوا: قد استهلكت أموالنا، في أثمان هذه الأملاك التي لا خراج عليها، وإن ألزمت الخراج، بطلت القيم، وافتقرنا:

فأفتى الفقهاء بوجوب الخراج، وبطلان التكملة.

وقال الكتّاب: إن كان المهدي، شرط شرطا، لمصلحة في الحال، أو عناء اعتناه أهل البلاد، في جدب أو غيره، ثم زالت المصلحة، زال الشرط.

فقال عليّ بن عيسى للقوم: أليس عندكم أنّ ما فعله المهدي واجب؟

قالوا: بلى.

قال: لم؟، أليس لأنّه إمام رأى رأيا ليس فيه مضرة؟

قالوا: بلى.

قال: فإنّ أمير المؤمنين، وهو الإمام الآن، قد رأى أنّ الأحوط للمسلمين، والأحفظ للكافّة، إلزام الخراج الشجر، وإزالة التكملة.

فقام إليه الزجّاج، ووكيع القاضي، فوصفاه، وقرضاه.

وقال الزجّاج: لقد حكمت بحكم، لو كان عمر بن الخطاب ﵁، حاضرا، ما تجاوزه.

وقال وكيع: لقد فعل الوزير في هذا، كفعل أبي بكر الصديق، رضوان الله عليه، في مطالبة أهل الردّة بالزكاة.

وأنهى عليّ بن عيسى، والقضاة، ما جرى، إلى المقتدر، في يوم الموكب، واستأذنه في كتب كتاب بإسقاط التكملة عاجلا، إلى أن يتقرّر أمر الشجر.

فأمر بكتب ذلك في الحال بحضرته، وأحضر قائدا من قوّاد الحضرة، كان يخلف بدرا الكبير، المعروف بالحمامي، عامل المعاون، بفارس وكرمان، ليسلّم إليه الكتاب، ويطالب النعمان، وابن رستم، بامتثاله.

وأمر الخليفة بإحضار دواة يكتب بها عليّ بن عيسى، وكان رسم الوزراء، إذا أمروا بكتب كتاب بحضرة الخليفة، أن تحضر لهم دواة لطيفة، بسلسلة، فيمسكها الوزير بيده اليسرى، ويكتب منها باليمنى.

فأحضرت تلك الدواة، لعليّ بن عيسى، وبدأ يكتب منها الكتاب بغير نسخة.

فلما رآه المقتدر، وقد شقّ عليه ذلك، أمر بإحضار دواته، وأن يقف بعض الخدم، فيمسكها إلى أن يكتب.

فكان أوّل وزير أكرم بهذا، ثم صار ذلك رسما جاريا للوزراء، بحضرته.

فكتب عليّ بن عيسى، في ذلك كتابا إلى النعمان، وخرجت نسخته، إلى الديوان، وأثبت فيه.

قال أبو الحسين: فحفظناه ونحن أحداث، ونسخته:

بسم الله الرحمن الرحيم.

من عبد الله جعفر، الإمام المقتدر بالله، أمير المؤمنين، إلى النعمان ابن عبد الله.

سلام عليك، فإنّ أمير المؤمنين، يحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو، ويسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله، ﷺ تسليما كثيرا.

أمّا بعد، فإن أفضل الأعمال قدرا، وأجملها ذكرا، وأكملها أجرا، ما كان للتقى جامعا، وللهدى تابعا، وللورى نافعا، وللبلوى رافعا.

وقد جعل الله- ﷿ أمير المؤمنين، فيما استرعاه من أمور المسلمين، مؤثرا لما يرضيه، صابرا على ما يزلفه عنده ويحظيه، وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله، عليه يتوكّل، وبه يستعين.

وقد عرفت حال السجزيّة والخرمية، الذين تغلبوا على كور فارس وكرمان، وأحدثوا الجور والعدوان، وأظهروا العتوّ والطغيان، وانتهكوا المحارم، وارتكبوا المظالم، حتى أنفذ أمير المؤمنين جيوشه إليهم، وتورّد بها عليهم، فأزالهم وبدّدهم، وشتّتهم وأبادهم، بعد حروب تواصلت، ووقائع تتابعت، أحلّ الله بهم فيها سطوته، وعجّل لهم نقمته، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وعظة للمستمعين، (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)

ولما محق الله أمر هؤلاء الكفار، وفرّق عدد أوباشهم الفجّار، وجد أمير المؤمنين، أفظع ما اخترعوه، وأشنع ما ابتدعوه، في مدّتهم التي طال أمدها، وعظم ضررها، تكملة اجتبوها بكور فارس، في سنّي غوايتهم، لمّا طالبوا أهلها بالخراج على أوفر عبرتهم، من غير اقتصار به على

الموجودين، حتى فضّوا عليهم خراج ما خرب من ضياع المفقودين.

فأنكر أمير المؤمنين، ما استقرّ من هذا الرسم الذميم، وأكبر ما استمرّ به من الظلم العظيم، ورأى صيانة دولته، عن قبيح معرّته، وحراسة رعيّته، من عظيم مضرّته، مع كثرته، ووفور جملته.

فرفع عن الرعية هذه التكملة رفعا مشهورا، وقد جعل الله تعالى من سنّها مدحورا، ونادى في المساجد الجامعة بإزالتها، وإبطال جبايتها، ليرتفع ذلك في الجمهور، ويتمكّن السكون إليه في الصدور، وتحمد الله الكافّة على ما أتاحه لها من تعطّف أمير المؤمنين ورعايته، وجميل حياطته لهم وعنايته.

واكتب ما يكون منك في ذلك، فإنّ أمير المؤمنين يتوكّفه، ويراعيه ويتشوّفه، إن شاء الله.

والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

وكتب علي بن عيسى يوم النصف من رجب سنة ثلاث وثلاثمائة.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.