من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الوزير علي بن عيسى يأمر بالرفق في الجباية
وقد كان عليّ بن عيسى، قبل ذلك بسنة، نظر لأهل التكملة من جملتها في شيراز، بعشرة آلاف درهم، قبل أن يخرج في السنة المقبلة، خراج الشجر، ثم تقرر أمر الشجر على أن يؤخذ منه الخراج، ويقارب أهله فيه، على طسوق توضع لهم مخفّفة، وكان النعمان رفيقا يقاربهم، حتى عاد بإزاء ما أسقط من مال الضمان في التكملة، أكثره على التدريج.
فكتب علي بن عيسى، في أمر الشجر، كتابا كنّا نتحفّظه في الحداثة من الدار، نسخته إلى ابن رستم، لأنّ النعمان عاد إلى بغداد، واستخلف بفارس أبا مسلم، محمد بن بحر، وضمّن البلد من ابن رستم، وجعل أبا مسلم، مستوفيا عليه للمال:
بسم الله الرحمن الرحيم.
إلى أحمد بن محمد بن رستم، من عبد الله جعفر الإمام المقتدر بالله، أمير المؤمنين.
سلام عليك، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو،
ويسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله، ﷺ تسليما كثيرا.
أمّا بعد، فإنّ الله تعالى بعظيم آلائه، وقديم نعمائه، وجميل بلائه، وجزيل عطائه، جعل أموال الفيء للدين قواما، وللحقّ نظاما، وللعزّ تماما، فأوجب للأئمة حمايتها، وحرّم عليهم إضاعتها، إذ كان ما يجتبي منها، عائدا بصلاح العباد، وحراسة البلاد، وحماية البريّة، وحياطة الحوزة والرعية، ولذلك، يعمل أمير المؤمنين، فكره ورويّته، ويستفرغ وسعه وطاقته، في حراستها وحياطتها، وقبض كل يد عن تحيّفها وتنقّصها، والله وليّ معونته، على جميل نيّته، وحسن طويّته، بمنّه ورحمته.
ولما فتح الله ﷿، كور فارس على المسلمين، وأزال عنها أيدي المتغلّبين، وجد أمير المؤمنين أهلها، قد احتالوا في إسقاط خراج الشجر بأسره، مع كثرته وجلالة قدره، فأمر بإشخاص وجوههم إلى حضرته، واتّصلت المناظرة لهم بمشهد من قضاته وخاصّته، إلى أن اعترفوا به مذعنين، والتزموه طائعين، وضمنوا أداء ما أوجبه الله تعالى فيه من حقوقه، على ما تقرّر معهم من وضائعه وطسوقه، فطالب بخراج الشجر، في سائر الكور، على استقبال سنة ثلاث وثلاثمائة، فاستخرجه، واستوف جميعه واستنظفه، واكتب بما يرتفع من مساحته، ويتحصّل من مبلغ جبايته، متحرّيا للحقّ، متوخّيا للرفق، إن شاء الله.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وكتب عليّ بن عيسى، يوم الاثنين لعشر ليال خلون من شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع