تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

إذا تم أمر بدا نقصه

حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي، وهو ابن بنت إبراهيم بن المدبّر، قال: حدّثني أبو الفضل صاعد ابن هارون بن مخلد بن أبان، قال: حدّثني عدّة من جلّة الكتّاب، عن كاتب كان يخطّ بين يدي الموريانيّ، وهو وزير المنصور، قال:

كنت يوما بحضرته على خلوة، فدخل عليه حاجبه، وقال: بالباب رجل يذكر أنّه يريد أن يلقي إليك شيئا مهمّا.

قال: اسمع منه ما يقوله، وأدّه إليّ.

قال: قد سمته ذلك فأبى، وبذلت أن أخرج إليه كاتبا فامتنع من ذلك، وقال إمّا أن أصل إليه، أو أنصرف.

قال: فما زيّه؟

قال: زي التنّاء.

قال: هاته.

فأدخله، فلما وصل، استأذنه في السرار، فأذن له، فدنا إليه، فأطال سراره، ثم دعا بخازنه، فقال: خذ ما يدفعه إليك.

ثم قال لي: قم، فاكتب بكلّ ما يريده، على إملائه، وإن التمس توقيعي في شيء منه، فأنفذه إليّ مع غلامك.

قال: فقمت، فكتبت له بما أملاه، وعدت، فعرّفته إزاحتي علّته فيما طلبه، فجعل يبكي بكاء شديدا.

فسألت غلمانه: هل ورد بعدي شيء يكرهه.

فقالوا: لا.

فقلت: يا سيدي، ما هذا البكاء؟ وكنت آنسا به.

فقال: إنّ هذا الرجل لقيني منذ أكثر من سنة، وذكر أنّه من بني البختكاني وذكر كبر نعمته- وأنا بهم عارف-، ووصف أنّ العمال يتحيّفونه، ويستضعفونه، وسألني أن أوقع اسمي على ضيعته، وأظهر أنّي قد استأجرتها منه، وأكاتب العمّال، ووكلائي بذلك، وأن تقرّ يده فيها، إذ كنت قد وثقت به على ذلك، وبذل لي النصف من ارتفاعه، بعد المؤونة، حلالا.

فوافقته على ذلك، وكتبت له بما أراد، ومضى.

ولم تبتغ نفسي الاستقصاء عليه، ولا الاستظهار، ولا مضايقته، وقلت لعلّه أراد الانتفاع بجاهي، فلا أحرمه إيّاه، فإن وفى، وإلّا كان ذلك من زكاة الجاه.

ثم أنسيت أمره، فما ذكرته حتى رأيته الساعة، فأعلمني أنّه يتردد منذ مدة إلى الباب، فلا يصل، وأعلمني أنّه قد حصل لي من ذلك، مائتا ألف درهم، وأوقفني على حساب رفعه، واستأذني في تسليم المال.

وسألني تجديد الكتب، بمثل ما كنت كتبت به إليهم في السنة الماضية، في أمر هذه الضياع.

فتقدّمت إلى خازني، بقبض المال، وتقدّمت إليك، فكتبت عنّي بذلك، فأنا أبكي لهذه الحال.

فقلت له: يا سيدي، فأيّ شيء في هذا ممّا يبكيك؟

فقال: ويحك، ويذهب هذا عليك، مع طول ملازمتي وخدمتي؟

قد كنت عندي، أنّك تحنّكت بخدمتي، أمر يكون هذا من إقباله، فكيف يكون إدباره؟

قال: فما بعد أن قبض عليه المنصور، ونكبه، واستصفى ماله، وأموال أهله، وقتله.

قال أبو الحسين عبد الواحد بن محمد: فحدّثت بهذا الحديث، أبا الحسن عليّ بن محمد بن الفرات، وأبا الحسن عليّ بن عيسى، كلّ واحد على الانفراد، في وقت مفرد، فكل واحد منهما أفرط في استحسانه، حتى سأل أن أمليه عليه، فكتبه عنّي بخطّه.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.