من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
المتنبي يعارض القرآن
حدّثني أبو علي بن أبي حامد، قال:
سمعت خلقا بحلب، يحكون: أنّ أبا الطيّب، أحمد بن الحسين، المتنبىء بها إذ ذاك، كان في بادية السماوة، ونواحيها.
إلى أن أخرج إليه لؤلؤ من حمص، من قبل الإخشيدية، فقاتله، وأسره، وشرّد من كان اجتمع إليه من كلب وكلاب، وغيرهما من قبائل العرب.
وحبسه في السجن دهرا طويلا، فاعتلّ، وكاد أن يتلف، حتى سئل في أمره، فاستتابه، وكتب عليه وثيقة، أشهد عليه فيها، ببطلان ما ادّعاه، ورجوعه إلى الإسلام، وأنه تائب منه، ولا يعاود مثله، وأطلقه.
قال: وكان قد تلا على البوادي، كلاما، ذكر أنّه قرآن نزل عليه، وكانوا يحكون له سورا كثيرة، نسخت منها سورة، فضاعت، وبقي أوّلها
في حفظي، وهو:
«والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، إنّ الكافر لفي أخطار».
«امض على سبيلك، وأقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامع بك زيغ من ألحد في دينه، وضلّ عن سبيله».
قال: وهي طويلة، ولم يبق في حفظي منها غير هذا.
قال: وكان المتنبّىء إذا استوعب في مجلس سيف الدولة، ونحن إذ ذاك، بحلب، يذكر له هذا القرآن، وأمثاله، ممّا كان يحكى عنه، فينكره، ويجحده.
قال: وقال له ابن خالويه النحوي، يوما، في مجلس سيف الدولة، لولا أنّ الآخر جاهل، لما رضي أن يدعى بالمتنبّىء، لأنّ متنبىء، معناه كاذب، ومن رضي لنفسه أن يدعى بالكذب، فهو جاهل.
فقال: لست أرضى أن أدعى بذلك، وإنّما يدعوني به، من يريد الغضّ مني، ولست أقدر على الامتناع.
فأمّا أنا، فإنني سألته بالأهواز، في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة،
عند اجتيازه بها، إلى فارس، في حديث طويل، حدث بيننا، عن معنى المتنبّيء، لأني أردت أن أسمع منه، هل تنبأ أم لا؟
فأجابني بجواب مغالط لي، وهو أن قال: هذا شيء، كان في الحداثة، أوجبته الصبوة، فاستحيت أن أستقصي عليه، وأمسكت.
وقال لي أبو علي بن أبي حامد: قال لي أبي، ونحن بحلب، وقد سمع قوما يحكون عن أبي الطّيب المتنبّىء، هذه السورة التي قدّمنا ذكرها: لولا جهله، أين قوله: امض على سبيلك، إلى آخر الكلام، من قول الله ﷿ (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)
إلى آخر السورة، وهل تتقارب الفصاحة بينهما، أو يشتبه الكلامان.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع