من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الشاعر البدوي عساف النميري
حدّثني أبو القاسم عبيد الله بن محمد الصروي، قال:
كنت قد ركبت مع نفر من بني قشير، بالموصل، فحملوني إلى حيّ لهم بالبادية، على أيام منها، فأقمت في الحيّ شهورا.
فكنت يوما جالسا، فرأيت فتى بدويّا يسمى بعسّاف، حدث السنّ، حسن الوجه، راكبا.
فقال لي صاحب البيت: هذا رجل من بني نمير، وهو جار لنا، وهو شاعر، فنحبّ أن تسمع من شعره.
فقلت: نعم.
فسأله النزول، فنزل، وذاكرته بالشعر، فوجدته كثير الرواية لأشعار البادية، في زمانه، فما أنشدني بيتا أعرفه، ولا نسب شيئا ممّا أنشدنيه إلى شاعر أعرفه، متأخّر أو متقدّم، ووجدته لا يلحن البتّة.
وأنشدني شيئا كثيرا، فعلق بحفظي من ذلك، قصيدة، استعدته إياها دفعات، حتى حفظتها، وقد شذّ عني منها أبيات.
قال: وكان هذا، في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، واسم الشاعر عسّاف النميري، قال: ولا أعرف اسم أبيه، ولا نسبه.
والقصيدة:
نظرت وأعلام السريّة دوننابعيني فتى صب يرى الهجر مغرما
وأشرف ركب يهلك الطرف دونهتظنّ به الحبشيّة الحوّ جثّما
وأكرهت طرف العين حتى كأنّماأرى بفضاء الأرض سترا منمنما
إذا القوم قالوا صحّ شيئا حسبتهأصمّ وعن ردّ المشورة أعجما
دعاهنّ من نجد لحوران بعدمارمين بسهم الحب قلبا متيّما
تعرّضن لي يوم اللوى عن مشورةوأودعن في ذات الوشاحين مرتما
وقلنا اقتليه يا مليح فإنّهمتى ما رمى كانت مراميه حذّما
دماء الغواني عند ذا مستحلةفإن يرم رشقا نلق سهما مسمّما
فأبدت على اللبّات وحفا كأنّهعناقيد عنّاب تفرّعن سلّما
وجيدا كجمّار الفسيلة بزّهمن اللّيف جانيه وكان مكرّما
وعيني غضيض الطرف من جدل المهاكحيل المآقي، قرنه حين كمّما
وأبيض برّاق الغروب كأنّماحصى برد ضمّت به إن تبسما
وقالت: أبا سعدى تبدّلت بينناصدودا ومحمود العشيرة ضيغما
فقلت: هنيّا ذاك شيء يسرّنيغناها وأن تلقى من العيش أنعما
ولكن سليني عن حراجيج ضمرّسواهم يحذين السريح المخدّما
وحرف كأنّ البق يلدغ دفّهاإذا المعجب الساري عليها ترنّما
وعن فتية شعث اللمام رمى بهمهويّ المطايا مخرما ثم مخرما
سروا لسنا نار هويّا وكلّهممن البرد ما يبدي البنان المكمّما
فلمّا أتونا جانب الحيّ عرّسواغراثى وما ذاقوا من الأمس مطعما
فحيّيتهم قبل القرى وقريتهمقرى لم يكن نزرا ولم يأت مغنما
وماء قديم قد مضى دون عهدهلوارده عشرون حولا متمّما
وعن شزّب شعث النواصي كأنهاسراحين يحملن الوشيج المقوّما
عليهنّ منّا كلّ أروع ماجدكريم إذا ما عارض الموت أوسما
أخو حملات يعلم القوم أنّهضروب بنصل السيف ضربا غشمشما
لحقت بهم جمع القطاميّ بعدمادنا من بشير الصبح أن يتكلّما
غداة التقينا لا سفيرة بينناسوى مخلصات تترك الهام أقعما
تكرّ عليهم مخطفات كأنّهاصقور المضرّي كان للصيد مطعما
كأنّ على المشوي منها ومنهمعمائم تسقى حالك اللون عندما
سلوا قرن مدفوع فقد كان شاهداغداة التقينا أيّنا كان أكرما
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع