من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
هل جزاء الإحسان إلا الإحسان
حدّثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا عيسى، أحمد بن محمد بن خالد، المعروف بأخي أبي صخرة، يحدّث أبي، قال:
ما رأيت أحسن رعاية من أبي القاسم، عبيد الله بن سليمان.
فمن ذلك: أنّ إسماعيل بن ثابت، المعروف بالزغل، كان يتقلّد لأبي الصقر، إسماعيل بن بلبل، في وزارته، طساسيج بادوريا، وقطربّل، ومسكن، ونهر بوق، والذئب؟؟؟، وكلواذى، ونهربين.
فلفّق على عبيد الله بن سليمان- وهو إذ ذاك متعطّل في منزله، بعقب تقضّي النكبة عنه، ولزومه لبيته- ثلاثة آلاف درهم، ذكر أنّها تجب عليه
ببادوريا، في سنين، من مظالم باطلة، وبقايا غير لازمة، وأحضر وكيله، وطالبه بها.
فقال له: أمضي، وألتقي بصاحبي، وأواقفه على الأداء.
فوكّل به عدّة من رجّالته، وانصرف، فصار إلى عبيد الله، فقال له:
أغرم للرجّالة جعلا، ودافع بلقائه يومين، إلى أن أطرح عليه، من يسأله ترك المطالبة، بأن يقرّرها معه.
فخرج الوكيل، وبذل للرجّالة أوفر الأجعال، فذكروا أنّهم لا يقدمون على الإفراج عنه خوفا من الزغل.
وتكرّر الكلام بينهم، إلى أن وثب حاجب عبيد الله بهم، وحال بينهم وبين الوكيل، وأدخله الدار.
وانصرفوا، فشكوا ذلك إلى الزغل، وأسرفوا، خوفا منه، ليقوم عذرهم.
فجاء الزغل، فأسرف إسرافهم، وأضاف كل قبيح إلى عبيد الله، وشكاه إلى الوزير إسماعيل، وقال له: إنّه لا يقدر على استخراج مال عليه، إلّا بالمبالغة في مكروه عبيد الله، والإنكار عليه، وحبسه بنفسه في الديوان، حتى يؤدّي، ولا يقتدي به المتعذّر.
وكان إسماعيل، من العداوة لعبيد الله، والبغض له، والخوف منه على محلّه، بمنزلة عظيمة، وفيه- مع ذلك- تشدّد في نصرة العمل، وجبرية في نفسه، فاغتاظ جدا.
فأحضرني، وأنا- إذ ذاك - أتولّى له ديوان ضياعه، وتقدمته، وتدبير الجيش برسمه، ومنزلتي في الاختصاص به قويّة.
فقال: أحضر هذا الجاهل عبيد الله بن سليمان، وعرّفه ما شكا منه
إسماعيل بن ثابت، وأنّ جزاءه عليه الإبعاد إلى طنجة، وقبض نعمته، وضياعه، وأنّي أعرفه بالعجب والجهل، ولولا أنّ الزمان، قد كفاني، بإسقاط أبيه، وأنّه صار إلى منزلة، إن عاقبته بما يستحقّه، جعلت له سوقا، لما أخّرت عقوبته، ولكن قل له: والله لولا تذمّمي، لأمرت بالآخر أن يصفع من داره إلى ديوان إسماعيل بن ثابت، ويقام على رجله، حتى يؤدّي ما عليه، ولا تدعه من الديوان، أو يحضر وكيله وحاجبه، فيسلّمهما إلى إسماعيل بن ثابت، وتصرفه حينئذ، ليطالبهما إسماعيل، بما عليه.
قال: فخرجت، وكتبت إليه رقعة، أستدعيه فيها إلى الديوان، دعوت له فيها، كما يدعى من الديوان لمثله، وهي سطران دعاء، وترجمتها في ظاهرها: «لأبي فلان، من فلان».
وكان الكاتب كتبها عني، فلما عرضها عليّ، زدت فوق الدعاء، بخطّي، يا سيدي، وكتبت في داخل الرقعة، عبدك، وإنّما أردت توفيته الحق بذلك، وستر الأمر عن كاتبي، لئلا يسمع أنّي خاطبته بتعظيم، فأقع في مكروه، مع إسماعيل.
وزدت في آخر الرقعة بخطّي: أنّه لا يجب أن يستوحش من شيء أتوسّطه، فإني أحوطه بجهدي، وأنّ سبيله أن يحضر عشيّا، ليكون مجلسي خاليا، فأوفّيه الحق، ولا يجيء غدوة، فإن وفيته الحقّ لحقني من الوزير إنكار، وإن قصّرت تذمّمت إليه، وراعيت العواقب فيه.
فجاءني في جواب الرقعة، عشيا، فقمت إليه، وكان هذا عظيما، محظورا
على مثلي، وخاصّة في الديوان، وصدّرته، وجلست بين يديه وعرّفته ما جرى من الزغل، وأعدت من كلام الوزير، من الإنكار، والإيعاد، ما جمل لفظه.
وقلت: قال أشياء أخرى كثيرة، قبيحة، عظيمة، هائلة، لا أستحسن تلقّيك بها، وأجلّ سمعك عن إيرادها عليك، هذا أقلّها وأحسنها، ومع ذلك فإنّه أمرني، أن لا تبرح، أو تحضر الوكيل والحاجب، ثم أستاذنه في انصرافك، فأجاب، إن فعلت هذا، وأن يصير لك اعتقال إن خالفت، ثم لا أدري أيّ شيء ينجرّ عليك، وأكون سببه، ولكن اجعلني على ثقة من إنفاذك الرجلين إليه، وانصرف، لأعرّفه ما جرى، فإن أنكر عليّ انصرافك بغير إذن، جحدته أنّي سمعت ذلك منه، وكن على تحرّز، من غير أن يشيع ذلك، إلى أن يجيئك ثقتي بجليّة الصورة، فتعمل بها، وبحسبها، إمّا في الأمن، أو الهرب.
فشكرني، وقال: ما أطمع أن أكافيك على هذا.
وقام، وقمت بقيامه، وودّعته، وقلت: يا غلمان، بأسركم، بين يديه، فخرج، وأنفذ الرجلين، وتوقّى توقّيا ضعيفا، ودخلت، فعرّفت الوزير الصورة، وجمّلت القصة، وأمرني بترك التعرّض له، وتسليم الرجلين إلى الزغل.
فأحضرت الزغل، وسلّمت الرجلين إليه، وقلت له: تقبل رأيي؟
فقال: قل.
فقلت: قد بلغت ما تريد، فأحسن في الأمر ما قدرت.
فقال: يا سيدي، هذا إبطال للعمل، ولا بدّ من تقويمهما.
فجهدت به في الإحسان، فلم يفعل، وأنفذ الرجلين، إلى باب عبيد الله، فضربهما عليه، كلّ واحد منهما، عشرين مقرعة، وصفع الوكيل، بعد
الضرب، خمسين صفعة، واستخرج الدراهم.
ومضت السنون على هذا، وفرّج الله عن عبيد الله، وتقلّد الوزارة، فاستترت، لأجل اختصاصي بإسماعيل الوزير، وما ألتزم من جهته.
وقبض عبيد الله، على الزغل، وكان أوّل من صودر، من أسباب إسماعيل، وعومل من المكاره، بما لم يسمع بأعظم منه، ولم يتصرّف في أيّام عبيد الله، إلى أن مات وهو يتصدّق.
واستترت أنا، أياما، فلم يعرض عبيد الله لطلبي، ولا لشيء من داري، وضيعتي، ولا لأهلي، ولا معاملي، فأنست بذلك، وكتبت إليه بعد ذلك، أسأل الأمان، فأمنني.
فحضرت مجلسه، وهو حافل بالناس، وبين يديه الخلق، من أصحاب الدواوين والقوّاد.
فحين رآني، قام إليّ قياما تاما.
فقبّلت رجليه، وقلت: يقيلني الوزير أطال الله بقاءه، وليس هذا محلّي.
فقال: ولم؟ ما يفي قيامي لك، بقيامك لي، لأنّك قمت لي في وقت عرّضت- بقيامك لي- نفسك، ودمك، ونعمتك، وحالك، لذلك العدوّ لله، وعاملتني، بما لا يفي به شكري، ولك عندي كلّما تحبّه، ولن يلحقك سوء في مالك ولا غيره.
قال: ولجّ به المعتضد، في مصادرتي، وهو يدفعه عنّي، ويقول له أشياء يدفع بها عنّي، لا أصل لها، منها: أنّه قال له: هذا قد صادره إسماعيل، في أيّام تصرّفه معه، دفعات، وأفقره على سبيل القرض، وكانت له نفقات عظيمة، ومروءة، وهو مع هذا عفيف، لا يرتفق بشيء، ولا يجاوز رزقه، ولا حال له، فيصادر، ولا طريق عليه.
قال: والمعتضد يلحّ.
فقال لي عبيد الله: ليس لك، إلّا أن تبتعد عن المعتضد حتى ينساك.
فقلت: الأمر للوزير.
فقلّدني الخراج والضياع بقم، وكتب إلى صاحب المعونة، بخدمتي، وأخرجني على أمر يعظم.
وطالبه المعتضد، بالتزام مصادرتي، فأعاد عليه القول، وقال: احتجت إلى الاستعانة بكفايته، فأنفذته إلى قم.
فقال: لا بد من إلزامه شيئا هناك.
فكتب بالصورة إليّ، وألزمني عشرين ألف دينار، وعدني بإخلافها عليّ، فالتزمتها، ولم يكن القول بها مؤثرا في حالي.
فلما أدّيت منها عشرة آلاف، أسقط الباقي، وسأل المعتضد فيه، فحطّه عني، وما عطّلني، إلى أن مات.
فسلمت ونعمتي عليه، وكسبت معه نعمة ثانية، أنا فيها إلى الآن، بثمرة ذلك الإحسان.
وهلك الزغل، وبلغ إلى الصدقة، ومات في الفقر، بثمرة ذلك الشرّ.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع