من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
أبو عبد الله الكوفي يعاقب ملاحا على سوء أدبه
حدّثني أبو الحسن محمد بن محمد الأهوازي بن عثمان المعروف بابن المهندس، قال:
كنت أتقلّد الضريبة وغيرها، في أعمال واسط، في هذا الوقت، للكوفيّ.
فقدم ملّاح، يقال له ابن شبيب، من بغداد، في زورق عظيم، وكان فيه حديد، وخواب، فطالبته على ضريبتهما بثمانية آلاف درهم وكسر.
فالتجأ إلى ثمل وهو غلام سيف الدولة، لأن سيف الدولة كان مقيما بواسط حينئذ، أميرا عظيما.
فكتب إليّ ثمل، رقعة يلزمني تخفيف الضريبة عن الملّاح، ومقاربته، وأنفذ غلمانا من غلمانه.
فوضعت في نفسي المقاربة لأجله، فقلت للملّاح، عليك ثمانية آلاف درهم، وكذا وكذا، فبكم تحب أن أسامحك، لأجل كلام فلان أيّده الله؟
قال: وكان مجلسا حافلا بأهل الأسواق، والتجّار، والمعاملين في الضريبة.
قال: فقال لي الملّاح مستفهما: كم عليّ؟
فقلت: ثمانية آلاف درهم وكسر.
قال: فضرط من فمه، لي، وقال: تأخذ مني بميزان قرع، وصنج بعر.
قال: فورد عليّ أمر عظيم، من استخفافه بي في مجلس العمل، وكرهت أن أوقع به، فتشرّق الحال بيني وبين ثمل، مع تمكّنه من سيف الدولة، وتصير منابذة بينه وبين صاحبي، ولا أدري كيف يكون حالي في ذلك.
فقلت له: أمّا أنت فأقلّ من أن تجاب عن هذا الكلام، ولكن سأريك أمرك، كونوا معه.
قال: فوكّلت به جماعة من الرجّالة، وعبرت في زبزبي، إلى الكوفيّ، فحدّثته بالقصة.
فحين استتم حديثي، قال: وأيّ شيء عملت بالملّاح؟
فقلت: لم أقدم أن أعمل به شيئا، لأجل ثمل، وخشيت أن تنكر أنت ذلك.
فقال: نفّاطين، نفّاطين، وصاح، وتغيّظ. فأحضروا.
وقال: ثلاثين راجلا، الساعة، فأحضروا.
فقال: اعبروا إلى الزورق، فأحرقوه، بجميع ما فيه من الأمتعة، الساعة.
قال: فورد عليّ أمر عظيم، وندمت على الشكاية، فقلت: يكفي من هذا- أطال الله بقاء سيدنا- ضرب الملّاح بالمقارع في السوق، وأن تضعف
عليه الضريبة، وتستخرجها منه.
فقال: لا والله، إلّا الإحراق.
قال: فاجتهدت به، فلم يكن في يدي منه شيء.
وتوجّه النفّاطون، والرجّالة، إلى الزورق، فضربوه بالنار، وأقبل الملاح يلطم، ويصيح، ويقول: يا قوم، فيه أموال الناس، قد افتقروا، وافتقرت، ويستغيث بالمسلمين، ولا يقدم أحد على إغاثته.
وأحرقت قلوس الزورق، التي كانت تربطه، وتمسكه، وخرج منه الملّاحون، وطرحوا أنفسهم إلى الماء.
فانحدر مع الماء لنفسه، والنار تشتعل فيه، فوقع على الجسر، فقطعه، وانحدر، حتى انتهى إلى موضع معسكر سيف الدولة، وكان نازلا في المأصر بواسط.
والملّاح في بكائه وراءه، لا يجسر أن يطفىء النار، ولا يقدر على أكثر من أن يلطم ويصيح.
فلما رأى سيف الدولة الصورة، استهولها، مع صياح الملّاح، وقوله فيه أموال، فاستدعاه، وقال: أيش فيه؟.
فقال: فيه مال صاحب البريديين، أصدره إليهم صاحبهم من بغداد سرّا، وجعله تحت الحديد.
قال: فأمر سيف الدولة بالزورق، فقدّم إلى الشط، وأطفئت النار، وقد احترق جوانب الزورق، وظلاله، وأكثر آلته، إلّا الأمتعة التي في أسفله، فإنها كالسالمة.
فرقي بها إلى الشط، فأخرج المال، فإذا هو ثمانية آلاف دينار عينا، ونيف وستون سيفا ومنطقة، من فضة، وبعضها من ذهب، فأخذ ذلك.
وسلّم الزورق إلى الملاح، وشدّ على يده، وعصمه من الكوفيّ، حتى نقض الملّاح الزورق، وانتفع ببقية خشبه وحديده، ووصل التجّار إلى ما سلم من المتاع.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع