من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
رقعة نفعت صاحبها وخلفه
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبو الحسن الأنباري الكاتب، صديق الكرخيين قال:
دفع إليّ أبو أحمد عبد الوهاب بن الحسن بن عبيد الله بن سليمان، رقعة أبي الحسين جعفر بن محمد بن ثوابة بن خالد، الكاتب، إلى جدّه عبيد الله.
وقال لي: كان إلى أبي- الحسن بن عبيد الله- ديوان الرسائل، وديوان المعاون، في جملة الدواوين التي كانت إليه في أيّام أبيه.
فأمر الوزير عبيد الله، أبي، أن يستخلف أبا الحسين بن ثوابة، على ديوان الرسائل، والمعاون، وصار كالمتقلّد له من قبل الوزير، لكثرة استخدامه له فيه، وكانت هذه الرقعة سبب ذلك.
ثم مات أبي، فأقرّه جدّي على الديوان رياسة، وبقي عليهم، يتوارثونه، مرة رياسة، ومرّة خلافة.
فما سمع برقعة أولى منها، وهي في غاية الحسن، ونسختها:
قد فتحت للمظلوم بابك، ورفعت عنه حجابك، فأنا أحاكم الأيام إلى عدلك، وأشكو صرفها إلى عطفك، وأستجير من لؤم غلبتها، بكرم قدرتك، فإنها تؤخّرني إذا قدّمت، وتحرمني إذا قسمت، فإن أعطت، أعطت يسيرا، وإن ارتجعت، ارتجعت كثيرا، ولم أشكها إلى أحد قبلك، ولا أعددت للإنصاف منها إلّا فضلك، ودفع ذمام المسألة، وحقّ الظلامة، وحقّ التأميل، وقدم صدق الموالاة والمحبّة، والذي يملأ يدي من النصفة، ويسبغ العدل عليّ، حتى تكون محسنا إليّ، وأكون بك للأيام معديا، أن تخلطني بخواصّ خدمك الذين نقلتهم من حال الفراغ إلى الشغل، ومن الخمول إلى النباهة والذكر، فإن رأيت أن تعديني، فقد استعديت، وتجيرني فقد عذت بك، وتوسع عليّ كنفك، فقد أويت إليه، وتعمّني بإحسانك، فقد عوّلت عليه، وتستعمل يدي ولساني، فيما يصلحان لخدمتك فيه، فقد درست كتب أسلافك، وهم الأئمة في البيان، واستضأت بآرائهم، واقتفيت آثارهم، اقتفاء حصّلني بين وحشيّ الكلام وأنيسه، ووقفني منه على جادّة متوسطة، يرجع إليها الغالي، ويسمو نحوها المقصّر، فعلت، إن شاء الله.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع