من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الخليفة المهدي ووزيره أبو عبيد الله
قال أبو الحسين: فحدّثني أبو الحسن بن أبي عمر هذا، قال:
حدّثنا أبو عبد الله حمد بن محمد القنائي، ابن أخت الحسن بن مخلد، قال: حدّثني أبو محمد خالي، قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن العباس الصولي، يقول: حدّثت عن المأمون، عن الرشيد، أنّه سمع المهدي يقول:
بعد زوال أمر أبي عبيد الله عن الوزارة، واقتصاره على ديوان الرسائل، وعلى الجلوس في منزله، وتفويض الأمر إلى يعقوب بن داود:
ما رأيت أحزم، ولا أفهم، ولا أكفأ، ولا أعفّ، من أبي عبيد الله،
ولقد كنت أحبّه، مع إجرائي إيّاه مجرى الوالد، وكنت أجتهد به أن يدعوني إلى داره، فيمتنع، ويزعم أنّه لا تتّسع همّته، ولا نعمته، لذلك.
إلى أن اعتلّ علّة عظيمة، فتمادت الأيام به، ولم أعده، إلى أن كتب إليّ باستقلاله، وأنّه قد عمل على الركوب إليّ، بعد يوم أو يومين، فسابقته، وركبت إليه في خفّ من غلماني وخاصّتي.
فلما دخلت إليه، قلت له: قد كنت أجتهد بك أن تدعوني، فتأبى، والآن، قد جئتك جامعا للعيادة، والتهنئة بالعافية، والدعوة.
فقال: والله، يا أمير المؤمنين، ما لي طعام، ولا غلمان، ولا زيّ يصلح لدعوتك.
فقلت: قد فرغت لك من ذلك، وتقدّمت إلى غلماني، بحمل الآلات، والطعام، والأشربة، وجميع ما يحتاج إليه، وإنّما أردت تشريفك، والأنس بك.
قال: وجاء الغلمان، بآلات، وفرش لي، وجلست، وهو معي، فأكلنا، وجعل يتحفني من منزله، بالفاخر من الفرش، والآنية، والآلات هدية لي، كما يفعل الناس، فأخذت كلّما يحمله من أحسن شيء، وأجمله، وأرشقه، فازداد ابتهاجا به.
ثم دعوت بالشراب، فلما شربت ثلاثة فقط، عملت على الانصراف.
فلما أحسّ بذلك، قال لي: أريد أن أبكي، وأنا أتطيّر أن أبكي بعد انصراف أمير المؤمنين، وأنا أستأذنه في البكاء بحضرته.
قال: وتحدّرت دموعه عقيب الكلام، فبكى بكاء شديدا.
فقلت له: يا هذا، أنا أعلم أنّ فيك شحا، تسميه حسن التدبير، وما يحسن منك أن تبكي، فإن كان ندما على ما أهديته، فهو مردود بلا شكّ.
قال: فحلف بأيمان عظيمة، وانزعج انزعاجا شديدا، أنّه ما بكى لذلك.
وقال: كيف أبكي على ما سبيلي أسرّ به، حيث جعلتني أهلا لقبوله؟
قال: فقلت: فلم تبكي؟
قال: لم تبق مرتبة تنال، إلّا وقد نلتها، وبلغتها، بفضل أمير المؤمنين، وتطوّله، حتى انتهت بي الحال، إلى أن وصلت، من مال أمير المؤمنين، بأمره، وعن أمره، في ليلة واحدة، وهي ليلة ورد الخبر بوفاة أمير المؤمنين المنصور صلوات الله عليه، وأخذت بيعة ثانية لأمير المؤمنين على الناس، بعشرة آلاف ألف درهم، وفي هذه العلّة، تصدّقت بجميع ما في خزانتي من المال، وكان أربعة آلاف ألف، بعد أن أستأذنت أمير المؤمنين، فأذن لي، ولم يكن بقي، إلّا أن يعودني أمير المؤمنين في علّة، أو يهنئني بحال مسجددة، أو يصير إلى دعوتي، فلمّا كان اليوم، جمع أمير المؤمنين لي ذلك، فعلمت أنّي قد بلغت النهاية، وأنه ليس بعدها إلّا الانحطاط، فبكيت لذلك.
قال: فرققت له، وعلمت فضله، وقلت له: أمّا في أيامي، فأنت آمن ذلك، وإن أصابك شيء بعدي، فالحياة- على كلّ حال- خير من الموت، ولك بي أسوة.
واعتقدت أن لا أنكبه.
فلما رأى الربيع عظم منزلته، حسده، فجدّ في السعاية إليّ به، والفساد بيننا، والحيلة عليه عندي، إلى أن جرى في أمر ابنه، وإقراره بالزندقة، ما لم يسع معه، أن لا يقتل، فقتلته، وخفت أن يكون قد استوحش لذلك فلم آمنه على نفسي، فاحتجت إلى صرفه، فصرفته، وحرست نفسه، وبقيت نعمته، واستحال الأمر عما عقدته له.
وكان الأمر على ما ظنّه، من النقصان بعد التناهي.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع