تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

معنى النهروان بالفارسية

حدّثني أبو الحسين»

، قال: سمعت عليّ بن عيسى، يحدّث، دفعات، عن أبيه، أنّه سمع أباه، يحدّث عن جده، عن مشايخ أهل العلم بأخبار الفرس، وأيّامهم، قالوا:

معنى النهروان بالفارسية: ثواب العمل.

قالوا: وإنّما سمّي نهر النهروان بذلك، لأن بعض ملوك الأكاسرة، كان قد غلب عليه بعض حاشيته، حتى دبّر أكثر أمره، وترقّت منزلته عنده، وكان قبل ذلك، من قبل صاحب المائدة، مرسوما بإصلاح الألبان والكواميخ، ثم علت حاله، فكان صاحب المائدة يتحسّر، كيف علت حال هذا، وقد كان تابعا له، وغلب على الملك؟

وكان مع ذلك الرجل، يهوديّ ساحر ممخرق، فقال له: ما لي أراك مهموما؟ فحدّثني بأمرك، لعل فرجك على يدي.

قال: فحدّثه.

فقال له اليهودي: إن رددتك إلى منزلتك، ما لي عندك؟

قال: أشاطرك حالي ونعمتي، وجميع مالي.

فتعاهدا على ذلك، فقال: أظهر وحشة تجري بيننا، وأنّك قد صرفتني ظاهرا.

ففعل ذلك به.

فصار إلى الرجل الغالب على الملك، فحدّثه، وتقرّب إليه بما جرى عليه من الرجل الأول، ولم يزل يحدّثه مدّة طويلة، حتى أنس به ذلك الرجل.

فلقيه في بعض الأيام، ومع غلامه غضارة ذهب، فيها شيراز في نهاية الطيبة، يريد أن يقدمه إلى الملك.

فقال: أرني هذا الشيراز.

فقال الرجل لغلامه: أره إيّاه، فأراه، فخاتل الرجل والغلام، وأخذ بأعينهما بسحره، وطرح في الشيراز قرطاسا كان معه، فيه سم ساعة.

وغطّى الغلام الغضارة الكبيرة، ومضى ليقدّمها، إذا قدّمت المائدة.

فبادر اليهودي إلى صاحب المائدة الأول، وقال له: قد فرغت من القصة، وعرّفه ما عمله، ووصف له الغضارة، وقال له: امض الساعة إلى الملك، فقل له: هذا أراد أن يسمّك في هذه الغضارة، فلا تأكلها، وجرّبها، فإنّه سيجرّبها على كلب، أو غيره، فيموت في الحال، فيقتل عدوّك، ويشكر لك، فيردّك إلى مرتبتك.

قال: فبادر الرجل، فوجد المائدة، تريد أن تقدّم إلى الملك، فحين قدّمت، تقدّم إليه، وقال: أيّها الملك، إنّ هذا يريد أن يسمّك في هذه الغضارة، وهي مسمومة بسمّ ساعة، فلا تأكلها.

فراع الملك، وأمر بتجريب الشيراز على حيوان.

فقال الرجل: قد كذب هذا، وليس يحتاج إلى حيوان، أنا آكل من هذه الغضارة، ليعلم الملك كذبه.

قال: والرجل لا يعلم ما في الغضارة، فبادر فأكل منها لقمة، فتلف في الحال.

فقال صاحب المائدة الأوّل: إنّما أكل أيّها الملك من ذلك، ليتلف، لما علم أنّك تجرّب ذلك، فتجده قاتلا، فخاف أن تعذّبه، فاستروح إلى هذا.

فلم يشكّ الملك، في صحة الأمر، وردّ إلى صاحب المائدة الأول، ما كان إليه، وأكرمه وعظّمه.

ومضت السنون على ذلك.

قال: وعرض للملك، علّة، كان يسهر من أجلها في أكثر الليالي، فكان يخرج، وحاشيته غافلون، فيطوف في صحون داره، وحجرها، وبساتينها، ويقف على أبواب حجر نسائه، وغلمانه، فيتسمّع عليهم، ويعلم ما يتحدّثون به.

فانتهى في ليلة، في طوفه، لأجل السهر، إلى حجرة فيها ذلك اليهودي، وقد خلطه صاحب المطبخ بنفسه، وغلمانه، وهو جالس يحدّث بعض أصحاب صاحب المطبخ، ويتشكّى إليه، ويقول: إنّه يقصّر في حقّي، ويعدّد تقصيره في حقه.

ثم قال: أنا أصل نعمته وما هو فيه.

فقال له الذي يحدّثه: وكيف صرت أصل نعمته؟

قال: وتكتم ذلك؟

قال: نعم.

فحدّثه بحديث الشيراز والسمّ.

فلما سمع الملك ذلك، قامت قيامته، وأحضر الموبذ من غد، وحدّثه بالحديث، وشاوره فيما يعمله، ممّا يزيل عنه إثم ذلك الفعل في معاده، فأمر بقتل اليهودي [وصاحب المائدة] والإحسان إلى عقب- إن كان- للذي قتل نفسه.

وقال: ولا يزيل عنك إثم هذا، إلّا أن تطوف في عملك، حتى تنتهي إلى بقعة خراب، فتستحدث لها عمارة، ونهرا، وشربا، فيعيش الناس بذلك، في باقي الدهر، بدلا من موت ذلك الرجل، فيمحّص عنك الإثم.

ففعل الملك ذلك، وطاف أعماله، حتى بلغ موضع النهروان، وهو خراب، فأجمع رأيه، على حفر النهر فيه، فحفر، وسمّاه: ثواب العمل، لأجل هذه القصة.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.