من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الخليل بن أحمد والراهب
حدّثني أبو الحسين بن هشام، قال: حدّثني أبو الحسن زكريا بن يحيى ابن محمد بن شاذان الجوهري، قال: حدّثنا أبو العباس المبرّد، قال:
حدّثت عن الخليل بن أحمد [قال]:
اجتزت في بعض أسفاري، وأنا متوجّه، براهب في صومعة، فدققت عليه، والمساء قد أزف جدا، وقد خفت من الصحراء، وسألته أن يدخلني.
قال: فقال: من أنت؟
فقلت: أنا الخليل بن أحمد.
فقال: أنت الذي يزعم الناس أنك وجه، وواحد في العلم بأمر العرب؟
فقلت: كذا يقولون، ولست كذلك.
قال: إن أجبتني عن ثلاث مسائل، جوابا مقنعا، فتحت لك، وأحسنت ضيافتك، وإلّا لم أفتح لك.
فقلت: وما هي؟
قال: ألسنا نستدل على الشاهد بالغائب؟
قلت: بلى.
قال: فأنت تقول: إن الله تعالى ليس بجسم و [لا] عرض، ولم نر له مثلا، فبأيّ شيء أثبتّه؟.
وأنت تزعم: إنّ الناس في الجنّة يأكلون، ويشربون، ولا يتغوّطون، وأنت لم تر آكلا، شاربا، إلّا متغوّطا.
وأنت تقول: أنّ نعيم أهل الجنّة لا ينقضي، وأنت لم تر شيئا إلّا منقضيا.
قال: فقلت له: بالشاهد الحاضر، استدللت على ذلك كلّه.
أمّا الله تعالى، فإنّي استدللت عليه، بأفعاله الدالة عليه، [أنّه] لا مثل له، وفي الشاهد مثل ذلك، الروح التي فيك، وفي كل حيوان، نعلم أنّه يحسّ بها تحت كل شعرة منّا، ونحن لا ندري أين هي، ولا كيف هي؟
ولا ما صفتها، ولا جوهرها، ثم نرى الإنسان من الناس، يموت إذا خرجت، ولا يحسّ بشيء، وإنّما استدللت عليها بأفعالها، وبحركاتها، وتصرّفنا، بكونها فينا.
وأمّا قولك: إنّ أهل الجنّة لا يتغوّطون، مع الأكل، فالشاهد لا يمنع ذلك، ألا تعلم أنّ الجنين يغتذي في بطن أمّه، ولا يتغوّط.
وأما قولك: إنّ نعيم أهل الجنّة، لا ينقضي مع أنّ أوله موجود، فإنّا نجد أنفسنا نبتدىء الحساب بالواحد، ثم لو أردنا أن لا ينقضي إلى ما لا نهاية له، لم نزل نكرره، وأعداده، وتضعيفه، إلى ما لا انقضاء له.
قال: ففتح لي الباب، وأحسن ضيافتي.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع