من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
عافية القاضي يستقيل من القضاء
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن سعد، مولى بني هاشم، وكان يكتب ليوسف القاضي»
قديما، قال: حدّثنا إسماعيل ابن إسحاق القاضي، عن أشياخه، قال:
كان عافية القاضي، يتقلّد للمهدي، القضاء، بأحد جانبي مدينة السلام، مكان ابن علاثة، وكان عافية عالما زاهدا.
فصار إلى المهدي، في وقت الظهر، في يوم من الأيام، وهو خال، فاستأذن عليه، فأدخله، وإذا معه قمطره، فاستعفاه من القضاء، واستأذنه في تسليم القمطر، إلى من يأمره بذلك.
فظنّ أنّ بعض الأولياء قد غضّ منه، أو أضعف يده في الحكم، فقال له في ذلك.
فقال: ما جرى من هذا شيء.
فقال: ما سبب استعفائك؟
فقال: كان تقدّم إليّ خصمان من شيراز وأصبهان، في قصّة معضلة
مشكلة، وكلّ يدّعي بيّنة وشهودا، ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمّل وتثبّت، فرددت الخصوم، رجاء أن يصطلحا، أو يتعيّن لي وجه فصل ما بينهما.
قال: فوقف أحدهما، من خبري، على أنّي أحب الرطب السكر، فعمد، في وقتنا، وهو أول أوقات الرطب، إلى أن جمع رطبا سكّرا، لا يتهيّأ في وقتنا جمع مثله إلّا لأمير المؤمنين، وما رأيت أحسن منه، ورشا بوّابي جملة دراهم، على أن يدخل الطبق إليّ، ولا يبالي أن يردّ، فلما أدخل إليّ، أنكرت ذلك، وطردت بوّابي، وأمرت بردّ الطبق، فردّ.
فلما كان اليوم، تقدم إليّ مع خصمه، فما تساويا في قلبي، ولا في عيني، وهذا يا أمير المؤمنين، ولم أقبل، فكيف لو قبلت، ولا آمن أن تقع عليّ حيلة في ديني، فأهلك، وقد فسد الناس، فأقلني، أقالك الله، واعفني.
فأعفاه.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع