تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

لا تصلح الدنيا إلا بالعدل

حدّثني أبو الحسين، قال: سمعت حامد بن العباس، في وزارته، يتحدّث، قال:

كان صاعد بن مخلد، وصفني للناصر لدين الله، وعظّم عنده من أمري، حتى اختصصت بخدمته.

فاستدعاني يوما على خلوة، وقال: قد علمت ما لحقنا من هذا العدوّ، يعني صاحب الزنج، حتى عدنا إلى هاهنا.

قال: وكان ذلك بعد انهزامه من بين يدي صاحب الزنج، وعوده من مقامه بواسط، ليستريح، ويتأهب للرجوع، ويستعد لقتاله.

قال: وقال لي الناصر: وأمري كما ترى مختلّ، وجميع ما في خزانتي ثلاثون ألف دينار عينا، وهذا لا يقع منّي، وأريد أن تصرف همّتك إلى

ما يثمر معه، ويضعف قدره.

قال: فقلت له: هاهنا وجه فيه مرفق عظيم.

فقال: ما هو؟

فقلت: هذه أسناية الخيزران، ومنها يشرب المبارك بأسره، وبعض الصلح، وكانت إقطاعا لأمّ الرشيد، الخيزران، فحفرت لها هذه الاسناية، وكانت تغلّها غلّة عظيمة، وقد تعطّلت الآن، وخرب الصلح، والمبارك، كلّه، فإن صرفت هذه الثلاثين الألف الدينار، في حفر الاسناية، وإطلاق البذر والبقر، لأهل هاتين الناحيتين، تولّيت لك تفرقة ذلك، ومشاهدة الحفر بنفسي، حتى لا يضيع منه دانق واحد، ولا يرتفق أحد بحبّة منه، وتغلّ في سنة، ضعف هذا وأكثر.

قال: قد فعلت.

قال: فأنفقت على حفر الاسناية عشرين ألف دينار، بأتمّ احتياط، وأطلقت العشرة الآلاف الدينار، الباقية، للضعفاء من الأكرة، والتنّاء، والمزارعين، في أثمان بقر وبذور، واحتطت في جميع ذلك، وطالبت الأقوياء بالزراعة من أموالهم، وحرصوا هم أيضا الحرص كله، لما رأوا الماء، وأنّ الضياع معطّلة منذ سنين كثيرة، وطمعوا في كثرة الريع، ووفور الأسعار في النواحي.

فزرع الناس بالرغبة والرهبة، حتى استنفذوا جهدهم.

فلما أدركت، حصلت في بيدر واحد، من بيادر الصلح، وقد كان ارتفع أصل الكيل منه، ثلاثة آلاف كرّ وستمائة كرّ حنطة، بالنصف، فحصلت منه الثلث، والعشر، على المقاسمة مع الأجور، وفضل الكيل، ألف كرّ وستمائة كرّ للسلطان، وبعتها بحساب الكرّ بنيف وعشرين دينارا، فحصل الثمن ستة وثلاثون ألف دينار عينا من بيدر واحد، وبقي البلد كلّه بأسره ربحا.

فحصل له منه في أوّل سنة، أضعاف ما أنفق مضاعفا.

فتقوّى بذلك على الرجوع إلى الخائن، وكان ذلك من أكبر أسباب تقدّمي عنده ورفعتي.

قال: وكان حامد يحدّث بهذا، عقيب شيء جرى، قال حامد معه:

لا تصلح الدنيا إلّا بالعمارة، والعدل، وقمع العمال عن السرقات.

ثمّ تحدّث بهذا الحديث.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.