من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
تنح عن القبيح ولا ترده
حدّثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا الحسن بن الفرات، يقول:
كان أبو الحسن محمد بن فراس الكاتب، سبب الوصلة بين القاسم بن عبيد الله، والعبّاس بن الحسن، حتى استكتبه له.
فلما علت حال عباس، حسده ابن فراس، وعاد يسعى عليه، ويثلبه عند القاسم.
إلى أن اعتلّ القاسم علّة موته، فقال ابن فراس: إنّ العباس بن الحسن، يسعى في طلب الوزارة، مع الداية، وصافي الحرمي، وإنّه قد قطع السواد.
فلم يتقبّل ذلك القاسم، وكتب الرقعة المشهورة إلى المكتفي.
قال: فدخلنا عليه في الليلة التي ولي فيها الوزارة، إثر موت القاسم، ولم يكن خلع عليه، ودخل ابن فراس مهنئا له، فجلس في أخريات الناس.
وتشاغل العباس، بتقليب ثياب السواد، وقد جاءوه بها، ليختار منها ما يقطع له، فيلبسه من غد، في دخوله إلى الخليفة، قبل الخلع، حتى يبرّكه هناك، ويلبس الخلع فوقه.
وكان الرسم إذ ذاك، أن لا يصل أحد إلى الخليفة، في يوم موكب إلّا بسواد.
قال: فلمّا اختار العباس ما يريده من الثياب، أقبل علينا، وقال معرّضا بابن فراس: لعن الله أهل الحسد والشرّ، سعى قوم على دمي، عند وليّ الدولة، وقالوا له: إنّي قد سعيت في الوزارة، وإنّي قد قطعت السواد منذ أيام كثيرة، وهذا بحضرتكم، على غير تواطؤ، هو ذا أقلّب ثيابا، ليقطع منها سواد لي.
فقام ابن فراس قائما، وقال: قد حضرني، أطال الله بقاء الوزير، بيتان في هذا المعنى، فإن أذن الوزير- أيّده الله- أنشدتهما.
فاستحيا العبّاس، وقال: بحياتي، اجلس، وأنشد.
فجلس، وقال:
تنحّ عن القبيح ولا تردهومن أوليته حسنا فزده
ستكفى من عدوّك كل كيدإذا كاد العدوّ ولم تكده
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع