تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

آثار قديمة في سواد واسط

ومن عجائب الدنيا، وآياتها، أشياء في سواد واسط.

حدّثني جماعة، منهم رجل يعرف بابن السراج، وغيره، ومنهم محمد ابن عبد الله بن محمد بن سهل بن حامد الواسطي، وجدّه أبو بكر محمد بن سهل، كان وجها من وجوه الشهود بواسط، ثم تقلّد القضاء بها سنين، دفعات، فأثبتّ ذلك بخطّ محمد بن عبد الله، عقيب هذا الكلام:

شاهدت على نحو من فرسخ وكسر من رصافة الميمون، قرية من قرى النبط، أو الأكاسرة، وتعرف بجيذا، وقالوا فيها آثار قديمة، من بناء آجر وجص، وفيها قبّة قائمة، كالهيكل كانت قديما، ومثال رجل من حجر أسود أملس، عظيم الخلق، يعرف عند أهل ذلك الصقع بأبي إسحاق، لأنّه يتعاطى قوم من أهل القوّة شيله فيسحقهم، ويكسر عظامهم، وقد قتل وأزمن خلقا، فيذكر أهل الموضع، أنّهم سمعوا أشياخهم، يدعونه بذلك، على قديم الأيام.

وهذه القرية خراب، لا يذكر فيها عمارة.

وقد كان احتمل هذا الحجر، رجل يعرف بالجلندي، كان على حماية المأمون، فعمد إليه، وشدّ فيه الحبال، وجرّه بالبقر، إلى أن بلغ موضعا من الصحراء، فأمسى، فتركه في موضعه، فلما أصبح عاد فوجده ناحية عن

الموضع الذي تركه فيه، وأنّ ذلك الحجر صار بالقرب من موضعه الأوّل، فتركه وانصرف.

ثم احتمله بعد ذلك، رجل آخر، من أهل الرصافة، على خلق من الحمّالين، يتناوبون عليه، حتى أدخله الرصافة، فحضر أهل ذلك الصقع الذي كان فيه، يضجّون، ويقولون: إنّ هذا نأنس به في ذلك المكان، وإنّا نأوي إليه في الليل، فنأنس به، ويمنع عنّا الوحش، إذا كنّا بقربه، فلا يقربون ما يأوي إليه، فحملوه ثانية، حتى ردّوه إلى موضعه الأوّل، بعد أن بذل لهم الرجال، حمله من الرصافة.

وكان على صدره، وعلى ظهره، وكتفيه، كتابة محفورة، قديمة لا يدري بأيّ قلم هي.

وفي هذه البلاد، قرية، تعرف بقصبة نهر الفضل، وهي تلهوار، و [على] نحو فرسخين [منها] تلّ يعرف بتل ريحا، من البلاد القديمة، فيها آثار، وفيه حجر عظيم مربع، له سمك كثير، وهو كالسرير، طول تسعة أذرع، في أذرع، قد غاب في الأرض أكثره، وعليه تماثيل، ونقش.

وكان صاحب تلهوار، أحمد بن خاقان، أراد إقلاب هذا الحجر، لينظر ما تحته، فاحتفر حوله، واجتهد أن يقدر على قلبه، فلم يقدر على ذلك، لأنهم كانوا كلّما احتفروا تحته، ليتمكّنوا من قلبه، هوى إلى الحفرة،

فاستغرق فيها، فلما أعياه ذلك، تركه على حاله.

وفي موضع من ... الذي في ظهر البطائح، بين واسط والبصرة، ممّا يلي الطفوف، من القبة العتيقة، فيه خزانة يقال لها: القارة، يقال إنها من خزائن قارون، طولها أربعون ذراعا، والعرض مثله، وارتفاعها أكثر من ذلك، مبنيّة بالقار، والحصى، والنوى، وهي مجموعة ليس لها باب ولا نقف لها على مدخل.

وكان رجل من ساكني تلهوار، يعرف بعمر النجار، أضاف رجلا من المجتازين، وأكرمه، فأحبّ أن يكافيه، فأعلمه كيفيّة الوصول إلى هذه القارة، وكتب له بذلك كتابا، أوقفه عليه.

وقال له: نريد أن نستعين برجل كبير، وأومأ إلى خاقان، وأبي القاسم بن حوط العبدسي، وكانا رئيسي البلد، فأعلمهما ذلك.

فأعدوا له آلة لما يحتاج إليه من الفتح، من مرور، وآلات حديد، وخشب وزبل، وسلاليم، وأجرّة سفن، وحبال، وغير ذلك، ولزمهما عليها- مع مؤن الرجال- ألوف دراهم كثيرة، وأثبتا رجالا كثيرة

للحماية، لأنّ الموضع تطرقه القرامطة والبوادي، ثم أخرجاه، ومن معه من الرجال، في سفن في البطيحة، لأن الماء إذا زاد في البطيحة يصير فيما بينه وبين هذه القارة دون الفرسخين، فمضوا إليها.

فحدّثنا ابن لهذا الرجل، المعروف بعمر النجار، أنّه كان مع أبيه، في الموضع، فوافى، فمسح ممّا يلي مطلع الشمس، من هذه القبة، أربعين ذراعا، ثم احتفر الموضع، فظهر له حجر عظيم لا يقلّه إلّا الجماعة الكثيرة، فلم يزل يحلحل حوله، حتى أخرجه، وإذا أزج عظيم، كان ذلك الحجر عليه على بابه، ولحقه المساء، فعمل على المباكرة لدخول الأزج، والوصول إلى باب القبّة، فبات ليلته، ومن معه، فلما كان في وجه الصباح، حين يبدو الفجر، سمعت الجماعة، تكبيرا وضجّة، ونظروا إلى السيوف والخيل تبين من خلال الظلمة، فناذروها، ولم يشكّوا أنّها خيل القرامطة، وتوجهوا نحو البطيحة، والسفن التي لهم هناك، فلم يزالوا كذلك يتعادون إلى أن أصبحوا، وبان ما في الصحراء، ممّا يحتاجون أن يروه، فلم يروا خيلا، فظنوا أنّها قد انصرفت عنهم، فعادوا راجعين إلى مواضعهم، فوجدوا عمر النجار مذبوحا في بعض الطريق، ووافوا إلى مواضعهم، فوجدوا أمتعتهم كما هي، ما فقدوا منها شيئا، فاحتملوها، واحتملوا عمر النجار، وانصرفوا.

وقيل لي: إنّه لم يوجد الحجر، ولا أثر الموضع الذي احتفروا.

وقد يجد الناس، ممّن يجتازون بذلك الموضع، أو يقصده، دراهم،

وجواهر، حول تلك الخربات، والقبّة.

وقد يأوي إلى تلك الخربات، النعام، وتبيض فيها، لخلوّها، وانقطاع الناس، عن الإجتياز بها، إلّا في الحين بعد الحين.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.