من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
محنة القرامطة
حدّثني أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن عبيد الله، قال:
كنت مع إبراهيم بن نافع العقيلي، المعروف بابن البارد الطوق، وبعض العرب تسميه بباري الطوق، وكانت العامّة تسميّه: ابن البارد الطوق، وخبروني أنّه سمي بذلك أبوه، لأنّه ضرب رجلا في عنقه طوق، فبراها بالضربة.
قال: وكان أبو إسحاق بن البارد هذا، إذ ذاك، أمير نهر الأيسر الذي بين رستاق البصرة والأهواز، وهو إذ ذاك يليها من قبل معزّ الدولة.
فورد عليه رجل، قد هرب من القرامطة، من بني عقيل، يعرف بمختار بن فرناس، وكان من حيّ إبراهيم، من بني معاوية بن حزن.
وكان في عنق المختار هذا، طوق فضّة.
وكان سبب هربه، على ما سمعت خلقا من بني عقيل، يخبرون بذلك، إذ ذاك، أنّه قتل أخاه، وابن عمّه، لأجل ضيف أضافه.
وذلك، أنّه كان مع الضيف، مال صامت، فأعمل أخوه، على الغدر بالضيف، وأخذ المال منه، وعلم المختار بذلك فمنعه، واقتتلا بالسيوف، فقتل أخاه، فجاء ابن عمه يلومه، وتخاطبا، إلى أن تجاذبا السيوف، وتخابطا
بها، فقتل ابن عمه أيضا، وسكّن من نفس الضيف، حتى لا يذعر، ولم يكن له ما يطعمه تلك الليلة، فعرقب فرسه، وذبحه، واشتوى من لحمه، وأوقده حتى اصطلى به الضيف.
فلما أصبح، وارتحل الضيف، خاف أن يبلغ القرامطة خبره، فيأمر العريف بأخذه وإسلامه إلى المحنة، فهرب إلى إبراهيم.
فرأيت رسول القرامطة، قد جاء إلى إبراهيم، فأخذه على صلح وأمان، ورجع إلى حيّه، ثم بلغنا أنّهم محنوه بعد ذلك، تأديبا له، فما سمع برجل في زماننا من أهل البادية، أشجع، ولا أكرم، ولا آدب منه.
والمحنة عند القرامطة، أنّهم إذا نقموا على رجل، استدعوه من حيّه، إلى الأحساء بلدهم، فطرحوه، إمّا مقيّدا يكدّى في البلد، أو سائسا للخيل، أو راعيا للغنم أو الإبل أو ضربوه، وجدّدوا عليه في كل يوم لونا من العقاب، ولا يزال عندهم حولا، وأكثر.
وربما عاقبوه بألوان أخر.
فجميع ما يعملونه من التأديب، يسمونه محنة.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع