تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

كيفية صيد الفيل واستئناسه

حدّثنا أبو الحسين، قال:

كنت بتانة من بلاد الهند، فسمعتهم يتحدّثون: أنّ ملوك الهند، يغالون في الأفيلة الحربية، على قدر عظم بطشها، فربما بلغ الفيل الفاره، المنقطع النظير، مائة ألف دينار، ودائما يبلغ الفيل الواحد منها عشرة آلاف دينار.

قال: فإذا بلغ الملك، أنّ فيلا قد تغرّب، وله بطش عظيم، وأنّه يصلح للحرب، أمر بصيده.

قالوا: وليس له حيلة في صيده، إلّا بأن يخرج قوم من الفيّالين، ومعهم فيلة أنثى، أهلية معلّمة، فيها فضل خنث وتأنيث، والأفيال، فيها من الفطنة أمر عظيم.

قال: فيخرج الفيّالون، وهي معهم، إلى حيث قد بلغهم موضعا يتغرّب الفيل فيه، فيقاربون الموضع، ويلجأون إلى موضع يختبئون فيه، في شجرة عظيمة، لا تمكن الفيل فيها حيلة، أو شيء يحفرونه ويغطّونه، ويدعون الفيلة الأنثى ترعى.

فحين يشمّ الفيل رائحتها، يقصدها، وتقصده، فتلاعبه، وتطاعمه بخرطومها، وتؤانسه، ولا تبرح من حيث هي، ويرعيان في موضع فيّالها، والفيّالون مختبئون شهرا، لا يفرّقون بينهما.

فإذا كان بعد شهر- أقلّ أو أكثر - على حسب علمهم باستحكام الألفة، استدعوا الفيلة، في وقت تشاغل الفيل عنهم فيه، فتجيئهم فيركبونها.

فحين يراهم الفيل، ويراها، يتبعهم، فيروم أن يؤذي الفيّالين، فتضع هي خرطومها عليه وتلاعبه، وتسرع، ويسرع خلفها.

فإذا رأوه قد ولّى، ردّوها إليه، فتلاعبه، فيرجع معها.

فلا يزالون يمشون به خلفها، يومين أو ثلاثة، إلى أن يروا منه ضجرا، أو شدّة في أذيّتهم، فيقفون ليلة في موضع، ويتهاربون عن ظهرها إلى موضع يختبئون فيه.

فلا يقصدهم الفيل لتشاغله بها، ويحرزون أنفسهم في المختبأ، ويدعونه معها دون تلك المدة.

ثم يسيرون بها على ذلك الوجه، فيتبعها الفيل.

فيسيرون بها يومين أو ثلاثة، أو حسب ما يمكن، إلى أن يبدو ضجره، فينزلون على رسمهم.

فلا يزالون كذلك، حتى يقرّبونه من البلد، في مدّة على حسب بعد المسافة أو قربها.

فإذا بلغوا المدينة، أخرج ملكها جميع أهل البلد، أو أكثرهم، وجمعهم، وصعد عامّتهم على السطوح، النساء، والصبيان، مزيّنين.

فحين يرى الفيل اجتماعهم، يستوحش، وينفر، ويولّي، ويطلب الصحراء، فترجع [الفيلة إليه فتردّه].

فإذا رأى الناس، نفر، فترجع إليه فتردّه، فلا تزال كذلك معه،

حتى تدخله بين الناس، وتقرّبه منهم.

ويقيمونه الفيّالون أيّاما، كذلك، حتى يألف الناس، فإذا ألفهم أمر الملك بجمع أصحاب الدبادب، والطبول، والصنوج.

فحين يسمع، ينفر نفورا شديدا، أشدّ من ذلك، ويهرب، فتمضي الفيلة خلفه، فحين يراها، وقد بعد عن الصوت قليلا، يقف لها، فتداعبه، وتردّه، وتداريه.

فحين يقرب من الصوت يهرب، ثم يرجع معها، هذا دأبه معها، تفعل به ذلك أيّاما متتابعات، إلى أن يألف الصوت.

فإذا ألف المناظر والأصوات، أدخل الفيّالون الفيلة إلى البلد، ويتبعهم الفيل.

فيجيئون إلى ساحة كبيرة، معدّة له، فيها أربعة أوتاد ساج، أثقل ما يكون، وأعظمه، متقاربة، منصوبة على أساسات شديدة.

فتدخل الفيلة ما بين تلك الأوتاد، وتقف، فيدخل وراءها، ويقف معها، فينزل الفيّالون، وفي أطول تلك الأوتاد حلق عظام وثيقة، في كل دقل حلقة، وفيه قيد عظيم ثقيل، فيضعون القيد في قائمة من قوائم الفيل، فيحصل مقيدا مضبوطا بين تلك الأوتاد، لا يمكنه قلعها، ولا أن يطرح ثقله على شيء، لتساوي أجزائه في التقييد إليها.

فلا يزال على ذلك أيّاما، والفيلة إلى جانبه، فإذا مسّه الجوع، جاءه الفيّالون بالأرز والسمن المطبوخ، فأطعموه إياه، بأن يرمون به إليه من بعد، فللجوع يأكله.

ولا يزالون يدارونه، ويتقرّبون منه، على تدريج، حتى يأكله

من أيديهم بعد مدة، فإذا أكل من أيديهم، فهي العلامة في استئناسه.

فحين يأكل من أيديهم مرارا كثيرة، ويستمرّ على هذا، يركبونه، ويضعون الحديد في رأسه، أيّاما، ويمرّونها عليه، حتى يألفها، ويعلّمونه، ويكلّمونه.

فإذا مضت أيام على هذا، حلّوا قيوده، وهم فوقه، فيمشي، ويصرّفونه بحسب ما يصرّفونه عليه، ويصير في حكم الأهلي.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.