تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

البابوانية في الهند

قال: وهناك قوم يقال لهم البابوانية، يجرون مجرى المستقفين هاهنا، والسلطان يطلبهم، فإذا وقعوا في يده، وظفر بهم، فعل بهم، كما يفعل باللصوص والعيّارين.

قال: وهم يصطادون الناس، لا يعرضون لغير ذلك.

قال: والواحد منهم، يتبع التجّار الذين يطرأون إليهم من المسلمين والذمّة، فإذا رأى الواحد من التجّار، في طريق خال، قبض عليه، فحين يقبض عليه، وقد علم التاجر بأمره، فيسكت، لأنّه إن استغاث، أو نطق قتله الهندي، وقتل نفسه في الحال، لا يتألم لذلك، لاعتقادهم المشهور في القتل.

قال: ويراهم الناس، وقد اصطادوا الرجل، فلا يعرضون لخلاصه، لئلّا يقتله، ويقول لهم الرجل: الله، الله، إن عارضتموه، فلا يمكن لسلطان ولا غيره، انتزاعه من يده، في تلك الحال، لئلّا يعجل بقتله.

قال: فأخبرني رجل من الهند، أنّ رجلا من البابوانية، قبض في طريق سفر على رجل لقيه منفردا من التجار.

فقال له: اشتر نفسك.

فتوافقا على أن يشتري نفسه منه بألف درهم.

فقال له التاجر: تعلم أنّي خرجت ولا شيء معي، ومالي في البلد، فتصير معي إلى داري في البلد، لأؤدّي ذلك إليك.

قال: فأجابه، وقبض على يده، ولم يزل يمشي معه، حتى اجتازا في طريقهما، بقرية الجبارية [وكان] طريقهما في سكة منها، فسلكاها.

فحين حصلا فيها، فطن التاجر للحيلة في الخلاص، وقد كان عرف مذهب الهندي في الجبارية، فلم يزل يمشي معه، حتى رأى بابا مفتوحا، من دور الجبارية، فجذب يده بحميّة شديدة، من يد البابوانيّ، وسعى فدخل دار الجباريّ.

فقال له: ما لك؟

قال: أنا مستجير بك، من يد بابوانيّ اصطادني، وتعرّيت منه.

قال: لا بأس عليك، فاجلس.

فصاح البابواني: يا جباريّ، يا جباريّ، اخرج إليّ.

قال: وهم لا يدخلون دور الجبارية، لاستقذارهم إيّاهم.

قال: فخرج، ووقف، بينهما عرض الطريق، لأنّه لا يجوز لأحدهما أن يدنو من صاحبه.

فقال له البابوانيّ: أعطني صاحبي.

قال: قد استجار بي، فهبه لي.

قال: لا أفعل، هذا رزقي، فإن لم تعطنيه، لم ندع جباريا [إلّا] قتلناه.

قال: فطال الكلام بينهما، إلى أن قال الجباريّ، أسلمه إليك في الصحراء فامض برّا، تسبقه إلى الموضع الفلانيّ.

قال: فمضى.

ودخل الرجل على [التاجر]، وقال له: اخرج لا بأس عليك.

فخرج معه، وأخذ الجباريّ قوسه، وخمسين نشّابة، قال: ونشّابهم من القصب.

قال: فعلق المسلم بكمّ الجباريّ، ولصق به، علما منه بأنّ البابوانيّ لا يدنو منه.

فلما صارا إلى الصحراء، قال له الجباريّ: تهبه [لي]؟ واجتهد به، فلم يفعل.

قال: فإني لا أسلمه، أو لا يبقى معي سلاح.

قال: شأنك.

قال: وهم لا يخطئون البتة في الرمي، ففوّق سهمه نحوه، فحين أطلقه، تلقّاه البابواني بشيء كان معه، فاعترض السهم بالشيء، فقطعه باثنين، وسلم منه.

فتحيّر الجباريّ.

قال: فلم يزل يرميه بنشّابة نشّابة، ويفعل بها البابواني، مثل ذلك، إلى أن ذهب النشاب، ولم يبق منه إلّا نشّابتان.

فضعفت نفس التاجر، وأيقن بالهلاك، وقال للجباريّ: الله، الله، في دمي.

قال: فقال له البابوانيّ: لا يقع لك أنّك قد أفلتّ، ثم أخذ سهما.

فقال له الجباريّ: لا تقدر على ذلك، وسأريك من رميي، ما تتحدّث به أبدا، انظر إلى هذا الطائر الذي يطير في السماء، فإنّي أرميه، فأصرعه

على رأسك، ثم أرميك فلا أخطيك.

قال: فشال»

البابواني رأسه، ينظر إلى الطير، فرماه الجباريّ، فأصاب فؤاده، فخرّ صريعا يضطرب، ومات.

وقال للتاجر: ارجع الآن آمنا.

فرجع إلى داره، وأقام عندهم، إلى أن اجتازت بهم صحبة، رحل معها التاجر، إلى مأمنه.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.