تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

سرق ماله بالبصرة، واستعاده بواسط

حدّثنا أبو الحسين، قال: حدّثني رجل من أهل دار الزبير بالبصرة، دقّاق، قال:

أورد عليّ رجل غريب، سفتجة بأجل، فكان يتردّد إلى أن حلّت، ثم قال: دعها عندك، وآخذها متفرقة.

فكان يجيء في كلّ يوم، فيأخذ بقدر نفقته، إلى أن نفدت.

وصارت بيننا معرفة، وألف الجلوس عندي، وأنست به، وكان يراني أخرج كيسي من صندوق لي، فأعطي منه النقدات التي تحل عليّ.

فقال لي يوما: إنّ قفل الرجل، صاحبه في سفره، وأمينه في حضره، وخليفته على حفظ ماله، والذي ينفي الظنّة عنده عن عياله، فإن لم يكن وثيقا، تطرّقت الحيلة عليه، وأرى قفلك هذا وثيقا، فقل لي ممّن ابتعته، لأبتاع مثله.

فقلت: من فلان القفّال، في جوبات الصفّارين.

قال: فما شعرت، إلّا وقد جئت، وطلبت صندوقي، لأخرج منه شيئا من الدراهم، فحمل إليّ، ففتحته، فإذا ليس فيه شيء من الدراهم.

فقلت لغلامي- وكان غير متّهم عندي-: هل أنكرت من الدرابات شيئا؟

فقال: لا.

فقلت: ففتّش، هل ترى في الدكان نقبا؟

ففتّش، فقال: لا.

فقلت: فمن السقف حيلة؟

فقال: لا.

فقلت: اعلم أنّ دراهمي قد ذهبت؟

فقلق الغلام، فسكّنته، وأقمت في دكّاني، لا أدري ما أعمل، فتأخّر عنّي الرجل، فلما تأخّر، اتهمته، وتذكرت مسألته لي عن القفل.

فقلت للغلام: أخبرني كيف تفتح الدكان وتغلقه؟

فقال: رسمي، إذا أغلقت الدكان، أغلقه درابتين، درابتين، والدرابات في المسجد، أحملها دفعات، اثنتين وثلاثا، في كلّ دفعة، فأشرجها، ثم أقفل، وكذا أفتحها.

فقلت: البارحة، واليوم كذا فعلت؟

فقال: نعم.

فقلت: فإذا مضيت لتردّ الدرابات، أو تحضرها، على من تدع الدكان؟

قال: خاليا.

فقلت: فمن هاهنا وقع الشرّ.

وذهبت ومضيت إلى الصانع الذي ابتعت منه القفل، فقلت له: جاءك إنسان منذ أيام، اشترى منك مثل هذا القفل؟

قال: نعم، وحكى من صفته كيت وكيت، فأعطاني صفة صاحبي.

فعلمت أنّه جاء، واختبأ للغلام وقت المساء، حتى إذا انصرفت أنا، ومضى وهو يحمل الدرابات، دخل الدكان فاختبأ فيه، ومعه مفتاح القفل الذي اشتراه، الذي يقع على قفلي، وأنّه أخذ الدراهم، وجلس طول ليلته، خلف الدرابات، فلما جاء الغلام، وفتح درابتين أو ثلاثا، وحملها ليرفعها، خرج هو، وأنّه ما فعل ذلك، إلّا وقد خرج إلى بغداد.

قال: فسلّمت الدكان إلى الغلام، وقلت له، من سأل عني، فعرّفه أنّي خرجت إلى ضيعتي.

قال: وخرجت، ومعي قفلي ومفتاحه.

فقلت: أبتدىء بطلب الرجل بواسط، فلما صعدت من السميرية، طلبت خانا في الجسر، أنزله، فأرشدت إليه، فصعدت، وإذا بقفل مثل قفلي، سواء، على بيت.

فقلت لقيّم الخان: هذا البيت من ينزله؟

فقالى: رجل قدم من البصرة، أوّل أمس.

فقلت: أي شيء صفته؟

فوصف صفة صاحبي، فلم أشكّ أنّه هو، وأنّ الدراهم في بيته.

فاكتريت بيتا إلى جنبه، ورصدت البيت حتى انصرف القيّم، وقمت، ففتحت القفل بمفتاحي.

فحين دخلت البيت، وجدت كيسي بعينه، ملقى فيه، فأخذته، وخرجت وقفلت البيت، وتركته.

ونزلت إلى السفينة التي جئت فيها، وأرغبت الملّاح في زيادة أجره، حتى حملني، وانحدرت في الحال، وما أقمت بواسط إلّا ساعتين من النهار.

ورجعت إلى البصرة بمالي.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.