من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
صيرفي بغدادي متحصن من اللصوص
حدّثنا أبو الحسين، قال: حدّثني رجل من أهل بغداد، أنّ بعض من تاب من اللصوصية، حدّثه، قال:
كان في الناحية الفلانية، صيرفي، كثير المال، يطلبه اللصوص، فلا تتمّ عليه حيلة، ولا يقدرون عليه.
قال: فتواطأ عليه جماعة لصوص، كنت أحدهم، فقالوا: كيف نعمل في دخول داره؟
فقلت: أمّا الدخول، فعليّ لكم، وأمّا ما بعد ذلك فلا أضمنه.
قالوا: فما نريد إلّا الدخول.
قال: فجئت، وهم معي، عشاء، فقلت لواحد منهم: تصدّق، فإذا خرجت الجارية إليك بشيء، فتباعد، وتعام عليها، لتجيء إليك تعطيك الصدقة، وكن على خطى من الباب، لأدخل أنا، وهي متشاغلة معك، قد بعدت عن الباب، فلا تراني إلى أن أدخل، فأختبىء.
قال: ففعل ذلك، وحصلت مختبئا في مستراح الدهليز.
فلما عادت الجارية، قال لها [مولاها]: قد احتبست.
قالت: حتى أعطيت السائل الصدقة.
قال: ليس هذا قدر دفعك إليه.
قالت: لم يكن على الباب، فلحقته في الطريق، وأعطيته.
فقال: وكم خطوة مشيت من الباب؟
قالت: خطى كثيرة.
قال: لعنك الله، أخطأت عليّ، قد حصل معي في الدار لصّ، لا أشك فيه.
قال: فحين سمعت هذا، قامت قيامتي، وتحيّرت.
فقال لها: هات القفل.
فجاءته به، فجاء إلى باب دهليز الدار، والصحن بعد باب الدار، فقفله من عنده، ثم قال لها: دعي اللص الآن يعمل ما يشاء.
قال: فلما انتصف الليل، جاء أصحابي، فصفروا على الباب، ففتحت لهم باب الدار، فدخلوا الدهليز، وأخبرتهم بالخبر.
فقالوا: ننقب الستبة، ونخرج إلى الصحن.
ونقبوا، فلما فرغوا، قالوا: ادخل معنا.
فقلت: إنّ نفسي قد نبت عن هذا الرجل، وأحسست بشرّ، وما أدخل البتة.
فاجتهدوا بي، وقالوا: لا نعطيك شيئا.
فقلت: قد رضيت.
فدخلوا، فحين حصلوا في الصحن، وأنا في الدهليز، أتسمّع عليهم، مشوا فيه، فإذا للمولى زبية، في أكثر الصحن، محيطة به، يعرفها هو وعياله، فيتّقون المشي عليها ليلا ونهارا، وهي منصوبة للحفظ من هذا وشبهه، وعليها بارية، من فوق خشب رقيق جدا.
فحين حصلوا عليها، سقطوا إليها، فإذا هي عميقة جدا، لا يمكن الصعود منها.
فسمع المولى صوت سقوطهم، فصاح: وقع هؤلاء، وقام هو وجاريته يصفّقون ويرقصون.
وتناولوا حجارة معدّة لهم، فما زالوا يشدخون رؤوسهم وأبدانهم بها، وأصحابي يصيحون، وأنا أحمد الله على السلامة، إلى أن أتلفهم.
وهربت أنا من الدهليز، ولم أعرف لأصحابي خبرا، كيف دفنوا، أو كيف أخرجوا.
فكان ذلك سبب توبتي من اللصوصية.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع