من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الأستاذ أبو غالب الراوستاني الحسن بن موسى القمي
معين ديوان الاستيفاء، كاتب حاسب من ثقات السلطان وكفاة الديوان:
يملى الحساب عليه وهو يضبطهمن التّفاريق يحصيهنّ والجمل
عقدا كما جسّ نبض العود لامسهو لاعب النار كفّ القابس العجل
وإنّما استفدت مجالسته ومؤانسته من مجلس السيد العالم شرف السادة، رحمة الله ورضوانه عليه، وكلّ خير عندنا من عنده. فمما مرّ بي من شعره من غير أن أهداه اليّ، أو أقرّ به عليّ قوله من الفيّة مألوفة خدم بها الصاحب نظام الملك بناعورة، وهي من نواحي حلب:
حنانيك ما هذا الجفاء جزائيولا كدر الإعراض حقّ صفائي
منحتك من قلبي خلاصة حبّهفما بالها شيبت بمذق جفائي؟
تواعدني وصلا ولست تفي بهولا خير في وعد بغير وفاء
وتبخل حتى بالسلام وربّماتوافقني في حضرة الرّقباء
مخافة أن يلحوك فيّ وينكروافيزداد ممّا ينكرون شقائي
فيا راحة الأرواح علّل أخا الهوىبنقد وصال أو بوعد لقاء
فإنّ قليل الوصل يكثر عندهويقنعه حتى وداع تناء
وإن كان أعياك الوصال حقيقةفمر طيفك الساري يطر بفنائي
يقرّ بعيني أن يدوم لي الهوىوإن كان فيه لوعتي وعنائي
فان شئت فانفعني وإن شئت ضرّنيفلست بسال عنك طول بقائي
ولو شقّ قلبي من حماطته التيتضمّن أسراري وتضمر دائي
لما كان في سودائها غير خلّتيلكم ولمولانا الوزير ثنائي
فتشبيب أشعاري نسيبي فيكمومخلصها مدحي له وولائي
عفوّ عن الجانين من بعد قدرةكذلك دأب السّادة الكرماء
ومحتمل إلّا تطاول ظالموذي قدرة يبغي على الضّعفاء
ففي مثلها تنحلّ عقدة حلمهكأن لم يكن يوما من الحلماء
ولم يرض حتى شارف الشام ناسخابجود يديه سنّة البخلاء
أقام على شطّ الفرات كأنّمايباري طوافي مائه بعطاء
تسيل على أيدي العفاة قليبهبمال إذا سال الفرات بماء
قوام النّدى والبأس لا الدين وحدهوسيّد أهل الأرض لا الوزراء
كسوت الورى طرّا صنائع جمّةوذيّلتهم في نعمة وثراء
وخصّصتني من بينهم بمزيّةتوطّنني يافوخ كلّ علاء
سأشكر ما أو ليتني بمدائحتضوع كنشر الرّوض غبّ سماء
إذا خانني نظمي نثرت قلائديوإن خانني نثري أشعت دعائي
فلا تحسبن من حول ناديك أنّهمعبيد صفاء بل عبيد رياء
ولا تؤثرنهم باصطناع فإنّهمذئاب ضوار في مسالخ شاء
وهاتيك أيام الربيع تبرّجتبزينتها من أطلس وبهاء
فللأقحوان الغضّ نور كأنّهاعقود لآل في نحور نساء
تبصّ وراء الأبطحين كأنّماظهور روابيها بطون مراء
فأدرك شباب النّور قبل مشيبهبما تقتضيه همّة النّدماء
وله [أيضا]:
صدود الكرى إلّا الخيال يسيرولكنّه خطب علي عسير
أغضّ له عينيّ من غير نعسةعساه حوالي مقلتيّ يطور
وكيف يزور الطّيف والنوم شاردوفي الصدر من حرّ الغرام سعير؟
أساهر أيقاظ النّجوم كأننيرقيب أراعيهنّ كيف تغور
وأضحي كما أمسي وبين جوانحيوملء فؤادي لوعة وزفير
ودونهما نار كأنّ أزيزهامراجل بالماء الحميم تفور
فيا راحة الأرواح حالي هذهوقد حال من دون الوصال أمور
فتمنعني عند العباد مسافةويردعني عند الدنوّ غيور
تق الله في باقي ذمائي وأحينيبموعد صدق ليس فيه غرور
فإنّي راض بالمواعيد قانعحمول لأعباء النّزاع صبور
أعيش بآمالي ولله دونهاعليّ إذا ما نلتهنّ نذور
وله أيضا من نظامية أخرى:
بأيمن إقبال وأهنا أسعدتجدّد عيد الفطر خير تجدّد
يخصّص بالعزّ الذي ليس ينتهيسرادق مولانا الوزير المؤيّد
ويخبر أنّ الله، جلّ ثناؤه،تقبّل منه صوم وال موحّد
وأحيا لياليه بطول صلاتهوإن كان في (خطب من الشّغل) مؤيد
[ومنها]:
وقد سبق الأمر الشريف بموعدفحالت عوادي الدهر من دون موعدي
فوشّح لما أمّلته ظهر مدحتيبتوقيعك العالي وها هي في يدي
وكم حاسد لمّا رآني أعارنيصدودا فلم أحفل ولم أتبلّد
ولم ينهني أن غضّ عني طرفهكأنّي قذى في عينه بعد إثمد
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع