تجاوز إلى المحتوى

من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)

الأستاذ الرئيس أبو نصر

محمد بن عمر بن محمد الاصبهانيّ وهو أمين الملوك أبو نصر بن أبي حفص.

شابّ طريّ الآداب غضّ الشباب، عالي الشّعر، غالي السّعر. ورد في خدمة الرّكاب العالي النظامي بنيسابور، فكان وروده كورود الورد بعد انحسار ورود

البرد ونشر علينا من حلل فضله ما لا يبليها الجديدان، وبسط من عبقريّ يده ما ليس لكاتب بمثله يدان. فمما أنشدنيه لنفسه قوله من أبيات خطب بها المجلس العالي النظامي:

يا نظام الملك يا ذا طلعةمن جبين الشمس أبهى مشرقه
الموالي كلّهم في نعمةما تني منك عليهم مغدقه
لا تذر عبدك من جملتهمخارجا كالخمسة المسترقة

وأنشدني لنفسه أيضا من خمريّة قالها والكأس ورد، والمشموم ورد:

باكرت والنجم هوى هابطاوالصبح في وجه الدّجى ارفضّا
مدامة أسلبها عيشهاوأكتسي عيشا بها غضّا

قلت: بئس ما جازاها، وهل جزاء الاحسان إلّا الاحسان؟ وليس هذا إلّا كجزاء ذي الرّمّة ناقته التي بلّغته «عرابة»، على ما بها من جولان

النّسع وقلق الوضين، فدعا لها أن تشرق بدم الوتين وهلّا عرّى ظهرها، وشغلها بالرّعي دهرها.

عاد الشعر:

تركض في الهام وأمسي بهاأركض في خضل الصّبا ركضا
ولي من الورد ندامى غدوامقابلا بعضهم بعضا
من راقد العين ومن ساهرمذ فتح المقلة ما غضّا
كأنّهم بالبين نودوا فهممن خوفه في صور المرضى
وأيقنوا قلّة أعمارهمفاستكرهوا تضييعها غمضا
تجاوروا إذ علموا أنّهعمّا قليل نحبهم يقضى
فهم توافوا في التّصافي فلاملال في البين ولا بغضا
فملتو بالغمّ أو فاغريطلب ذا لثما وذا عضّا

وله يعاتب بعض أصدقائه:

طويت رداء ودّي لا كطيّيراد به البقاء على النّقاء
وما ظنّي بأعدائي إذا مايكون كذاك) حال الأصدقاء

وأنشدني لنفسه أيضا:

شرّق وغرّب واغترب تلق الّذيتهوى وتعزز أيّ وجه تشخص
وأرى المهانة في اللزوم مخلّةإنّ المتاع بأرضه يسترخص

وأنشدني لنفسه في مملوك [له]:

بليت بمملوك إذا ما بعثتهلأمر أعيرت رجله مشية النّمل
بليد كأنّ الله خالقنا عنىبه المثل المضروب في سورة النّحل

إشارة الى قوله تعالى: «أينما يوجّهه لا يأت بخير». وله يصف أو حال نيسابور:

كيف المسير بنيسابور في الطّرقوبينها أبحر تطمو من اللثق؟
يا حبّذا البحر ينجو فيه صاحبهبالعوم أو بركوب الفلك من غرق
ترشّ منه على أثوابنا لمعحتى يعود جديد الثّوب كالخلق
كأنّما رطبها فيها ويابسهاما اسودّ وابيضّ فوق الجلد من بهق

وله من قصيدة أوّلها، ومنها:

أهلا بزائد لومة اللّوّامسمعا لنصح يكتنى بملام
يا أيّها الرشأ الوسيم إذا بداخلقا وما أخلاقه بوسام
ما أنت بالشّمس التي إن أمسكتعمّت بلاد الله بالإظلام
هب أنّك الماء الذي أحيا بهأو ليس تكسد سوقه بمدام؟

ومنها:

بينا تظنّ الليل ما اكتست الدّجىحتّى نعاه صباحه بظلام
ودنا الثّريّا للمغيب كأنّهابدد اللآلىء نضّدت لنظام
[في إثرها الجوزاء مثل معالجقد همّ عند الضّرب بالإقدام
أو سالك عند التصبّر كفّهفي الكمّ أو عند ادّراع اللام
وكأنّها قرطاس رام يهدفوكأنّما الجوزاء ذاك الرامي]
والصّبح قد صدع الظّلام كرايةبيضاء في سود من الأعلام
أو رأي مولانا الوزير إذا احتبىيمحو ظلام الشكّ في الأحكام
ودّ الهلال لو أنّه لجوادهنعل وحافره أوان تمام
بالله لو أصفى هواه مشركلأقيم عند الله خير مقام

وأنشدني لنفسه أيضا:

إنّ الصّبابة والزمان تقاسماأن يقسماني بين كلّ مكاره
فكأنّه من حرّها وأوارهاوكأنّها من ليله ونهاره

ومنها:

دمع يمجّ دم الفؤاد كأنّهيجري بما أجراه من تذكاره
لو لم يكن ينبوعه من قلبهلم يصطحب ما فيه من أسراره

ومما أنشدنيه لنفسه قوله:

ما دمت أهواها وتهجرنيقل: كيف ينظم بيننا الشّمل؟
هل كان يفتل مبرما سببفي جانبيه تخالف الفتل؟

وقوله:

الناس أعداء إذا جرّبتهملمقلّهم، وأصادق المتموّل
كالرّيح قد تطفي السّراج لضعفهوتزيد في ضوء الحريق المشعل

وقوله

مهما أدلت على عدوّك فاحبهمنّا إذا ما شيم منه وفاء
فان اعتدى فكفاه عار خالدوكفاك أجر حاصل وثناء
أما إذا عاقبته فلينقلبوبه استقلّت آلة حدباء
لا تتركنّ النار إن أطفأتهافحما ففيها أن تعود رجاء

وقوله يستشفع بعض المحتشمين في أمر:

لما رأيتك بالمكارم مولعاوجميل قولك بالفعال مشفّعا
وعرفت منك شمائلا تسبي بها الأهواء مرأى إن أردت ومسمعا
ترعى ذمام مؤمّليك تطوّعاوسواك يرعى إن رعاه تصنّعا
ورأيتني آبى صنيعة ماجدما لم أجده لاصطناعي موضعا
إنّ الظّباء المستحيل نجيعهامسكا أبين بكلّ أرض مرتعا
جشّمت مجدك نهضة لشفاعةأيقنت فيها أن تعود مشفّعا
وإذا أطعت كريم همّك ناهضافيها فتدركني بفضلك مسرعا
ألفيتني بالشّكر أملأ من وفىوأجدّ من أثنى وأخلص من دعا

قلت: ولهذا الفاضل نثر فوق النّثر، كما أنّ له نظما فوق النظم. وكلا الخطيّن منه مليح، كما أن كلا اللسانين منه فصيح

النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «دمية القصر وعصرة أهل العصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.