من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
أبو المحاسن اسماعيل بن حيدر العلوي
كان خبر هذا الفتى يترامى إليّ، وأسمع أنه قد نبغ، وأنّ قميص فضله قد سبغ، وهو في ريعان صباه سبق القاضي حيدرا أباه. فكنت أقترح على الأيام أن تكحلني بطلعته فأقف على صبغته، كما وقفت على صنعته.
حتى اتّفق حصولي بالريّ في ديوان الرسائل بها. فكنت أنتظر أنه إذا سمع بي قصدني إمّا مفيدا أو مستفيدا. فلما تراخى عني وتنفّست على استبطائي إيّاه مدّة مديدة قلت في نفسي: لعلّ له عذرا وأنت تلوم. وتعرّفت خبره. (فزعموا أنّه) صاحب غراس منذ أسبوع يكاد تنفجر عليه (عين الفضل بينبوع). فكتبت إليه أعوده:
عجّل الله برء إسماعيلاوجلاه الشّفاء عضبا» ثقيلا
لا يروعنّه الذّبول فقدماقد حمدنا من القناة الذّبولا
ونسيم الرّياض لا يكتسي الصّححة إلّا بأن يهبّ عليلا
وحمل اليه أبوه القاضي حيدر هذه الأبيات، وهو لما به مستعدّ لمآبه، [فكتب] إليّ ببنان يرتعش، وقلم لا يكاد ينتعش بيتين تمثّل بهما وهما:
[رمتني وستر الله بيني وبينهاونحن بأكناف الحجاز رميم]
فلو أنّها) لما رمتني رميتهاولكنّ عهدي بالنّضال قديم
وانطفا بعد ذلك بساعة، وفي قلبي منه حسرة أتجرّعها ولا أكاد أسيغها.
وفي العين عبرة أحلبها من الشّؤون ثم أسيلها. فمها أنشدني له أبوه قوله:
طب يا نسيم الريح نشراوانشر خبايا الأرض نشرا
فعسى تعيد حشاشة المهجور من ريّاك نشرا
سقيا لمعهدك الذيعهدي به يهتزّ بشرا
يا حبّذا ماء العذيب إذا سقى الأنضاء عشرا
ولجلّ خطبا أن تنازعنا الوحوش إليه حشرا
وقوله في صفة السيف:
ليعلم العرب والعجيم معاأنّا على الحادثات فتيان
من معشر ما أظلّ هامهمفي المجد إلّا ظبى وتيجان
أولئك السادة الألى شرفتمغارس منهم وأغصان
يا ليت شعري متى يجلّل منهامة قرني أغرّ عريان؟
يضيء ما أظلم البهيم كمايضحك والدّمع منه هتّان
كم قلت إذ شامه الكفاح لنا:إنّك يا مشرفيّ فتّان
ألا فيبدي فتور جفنك ليأنّك بين القراب يقظان
ومنها:
سقيا لأيامنا الّتي سلفتوالدّهر مغضي الجفون وسنان
حتّى إذا قرّت العيون بكمعلمت أنّ الزمان غيران
فلجّ حتى تقاذفت بكمعلى مطايا الفراق غيطان
فما صرمتم تصارمت لكممنّا بوصل السّهاد أجفان
وقوله [أيضا]:
أفي الصّبا أشتاق وصل الصّبا؟كلّا ولكنّ معاليّ شيب
لو أنّ ما حمّلته همّتيحمّل سلمى لعراها المشيب
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع