من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
أبو طالب حمزة بن غاضرة الأسدي البغدادي
ترامت به الأسفار إلى بوشنج، فاستوطن بها. وبنيت فيها مدرسة برسمه، وانثالت التلامذة عليه كعرف الضّبع. واستقرّ فيها استقرار الظفّر في برثن السّبع، وحسنت آثاره على المختلفة إليه، المقتبسة ممّا لديه. وله شعر الأدباء والنّحاة، وليس مع ذلك من صخر البلادة بالنحّات. وأنشدني لنفسه ببوشنج سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة:
أضعت الشّباب وخنت المشيببرفض الوقار وخلع الرّسن
ولم ترع سمعا إلى واعظفحتّى متى ذا؟ أما آن أن؟
ورأيت في بعض التّعاليق منسوبة إليه:
يا شبيه الرّشا الأحور ألحاظا وجيدا
هل لعيش فات ردّفلقد ولّى حميدا
إنّما يعرف طعم الوصل من ذاق الصّدودا
وله [أيضا]:
إن كنت في حبّكم كاذبافقد عرفتم ذاك من أمري
فما لقلبي أبدا ضارباوما لدمعي أبدا يجري؟
ما بحت بالحبّ ولكنّنيوما بجفنيك من السّحر
أخاف من قولكم قد سلافأطلع الناس على سرّي
وله [أيضا]:
قد كتمت الحبّ حتّىلم أجد قلبا مطيعا
والهوى أرفق بالصّبب إذا كان مذيعا
فاغفروا زلّة صبّجعل الدّمع شفيعا
وله:
أصبحت في الحبّ كما قد ترىمعذّبا ما بين عذّالي
أعدّ ما شئت ليوم الّلقاملآن من قيل ومن قال
حتّى إذا أبصرته مقبلالم يخطر العتب على بالي
وله:
يا ليل هل لمتيّمعرف الاساءة، من متاب؟
لا يستطيع لما جناهـ عليكم ردّ الجواب
أطمعته حتّى إذاولج الهوى من كلّ باب
أعرضت عنه ملامةوقطعت أسباب العتاب
[ومنها]:
فارقت مضمضة الكرىثملا على زلق الهضاب
في فتية بيض المفارق والخلائق والقباب
نفس يكاد لحبّها اللإقدام يخرج من إهابي
كالسّيف أذلق حدّهمن غمده سأم القراب
ولما لقي يومه وافق ذلك وفاة الامام أبي الحسن علي بن طالوت البلخيّ، وكانا معا فردي دهر هما وأوحدي عصرهما، فرثاهما شرف السادة أبو الحسن البلخيّ، رحمة الله عليه ورضوانه، بقصيدة فريدة نظمتها في سلك، ولزّتهما في قرن، واشتملت على كلّ معنى بديع، ولفظ حسن، وهي:
لا يسلم العصم في حلقاء راسيةطود ولا الحقب في يهماء سبروت
ولا يقي الحوت في آذيّ ملتطمدفاع دفّاعه عن مهجة الحوت
من المنون إذا نابتهما حنقاحتى يتبّع مكبوتا بمكبوت
فذا صريع نصال قد رصدن لهوذا أسير حبال بثها النّوتي
وهل سمعت بشعب غير منصدععلى الزّمان وحبل غير مبتوت؟
نكا ابن غاضرة إذ شدّ أرحلهقرحا بقلبي من شدّ ابن طالوت
ما أنصف الدّهر إذ (أغرى بواحدهفجيعتين؛ بمغتال ومبغوت
نجمان في أفق الآداب قد أفلاوالدّهر يرجع يوما كلّ ما يوتي
كانا إذا نطقا في مشكل فتقاوأوضحا كلّ منطوق ومسكوت
كانا إذا نظما عقدا بلفظهماأزرى العقود بمرجان وياقوت
كانا إذا ما أفادا أبدعا غرراولم يلمّا بمنحول ومنحوت
فالغمض بعدهما نسي ومطّرحوالصّبر يعثر في أذيال مبهوت
وأصبح العيش ممقوتا ولست أرىبعد الأحبّة عيشا غير ممقوت
يحرك الدهر منّا ساكنا أبداويوقظ الموت منّا طرف مسبوت
نصاب منه بداء لا دواء لهفي طبّ أهرن أو في سحر هاروت
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع