من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
أبو طالب أحمد بن محمد الأدمي البغدادي النحوي
أقرأني الأديب يعقوب بن أحمد النيسابوريّ، أيّده الله، جزءا بخطّه، مشتملا على قصائد ومقطّعات من أشعاره، فاخترت منها اللائق بكتابي هذا.
قال يمدح [الأمير] أبا طاهر محمد بن الحسن الأردستانيّ [مؤمّلا نداه ومستمطرا جداه]، ويهنئه بخلاصه من الغزّ [التّرك]، ويستبطئه وعدا ماطله فيه:
ضوّ الزّجاجة إن ضوء الصّباح أبىلا تكذبنّ فليس العيش ما ذهبا
أما ترى كيف جاء الدّهر معتتباواليوم مبتسما والجوّ منتقبا؟
كأنّما سحر الادلاج مقلتهأو جاذبته حواشي الليل فانتحبا
فامزج بجودك إملاقي فإنّ لهجمرا إذا لمسته راحتاك خبا
كم صاح جودك بي واليأس معترضاولان عطفك لي والسيف مختضبا
ونالني منك معروف على عدملولا احتفاؤك بي ما جاز لي طنبا
ولو رهنت وما أحويه من نشبعلى غدائك يوما لم تنم سغبا
وما نأمت بشعري أستميح بهإلّا ليعلم فضلي شرّما اكتسبا
ولا مدحت الألى دوني لحبّهمإذا ابتغى الباز صيدا جاءه كثبا
رفعت قوما بشعري وانحفضت بهكالغيم شمّ الثّرى يستصعد العشبا
لا مرحبا بالأماني إن رفعت لهارأسي، وقائم سيفي من يديّ كبا
فما يهابك صدر لست مالئهولا يطيعك قلب لم يطر رعبا
أيطمع الدّهر في عطفي وقد (سفرتعنّي) الثّلاثون واعتضت الزّمان أبا؟
مهلا فإنّك ما أوليت من حسنباق عليك وخير المال ما رتبا
لا تأمننّ صروف الدهر إن رقدتوسورة الملك إن شيطانها ركبا
إذا رأيت أكفّ الأسد داميةمن الفريس فلا تستبعد السّغبا
ومهمه سرت فيه والبساط دموالجوّ نقع وهامات الرجال ربا
وللمنايا ضجيج في مخارقهما صمّ عنه العوالي أسمع القضبا
لا ألبس العزّ إلّا وهو مستلبولا أريغ قرى إلّا إذا اغتصبا
حتّى هتكت رواق الملك عن شرسيرضي السّيوف من الجاني إذا غضبا
إيها أبا طاهر هذا مقام ندىلا خير في الجود ما لم يسبق الطّلبا
أنهب أكفّ المنى ما كان من ذهبلا ينهب الحمد من لم ينهب الذّهبا
أنائم أنت عن شعري وقد ملأتبه الرواة صدور الناس والكتبا
ما زلت تبسط آمالي وتؤنسهاحتى ظننتك منها أوبها وصبا
ثم انحرفت كأنّا لم نكن أبداعلى صفاء كذا الدّنيا ولا عجبا
إذا بخلت فمن نرجو لمكرمةوإن غضبت فمن نرضي إذا عتبا؟
ليهنك الظّفر الميمون طائرهيا أنصف الناس سلطانا إذا غلبا
لما سمعت دعاء لم يكن ملقاورنّة من زئير ينفض القصبا
أعملت رأيك في أمرين أيّهمافيه السّداد وكان الأحزم الهربا
أبدى لك الله عمّا في نفوسهمحتّى كأنّ على أسرارهم رقبا
هزّوك غرّا ولو هزّوك منصلتاتحت العجاجة يوما أكثروا العطبا
إذا لصدّهم عن وردهم أسدشاك البراثن إن طال المدى وثبا
يا أكثر الناس معروفا وأخيرهمفعلا، وأكرمهم أصلا إذا نسبا
أطل إليّ يدا لو كنت باسطهاحسب الّذي تقتضيه طالت الشّهبا
وله أيضا:
تأمّل حمول الحيّ تسترق البدراكأنّ عليهم أن نفارقهم نذرا
سروا بهلال من هلال بن عامريحلّ سواد القلب من برجه خدرا
وكيف ألذّ العيش أو أطعم الكرىبأرض أرى اليوم القصير بها شهرا؟
وخلّفت مغلوب العزاء كأنّنيوراءهم من سرعة أطأ الجمرا
فإلّا أكن للوصل أهلا فسائلأتى يطلب المعروف، فاغتنموا الأجرا
إذا ما دعت فوق الأراك حمائمبأصواتها جهرا دعوتكم سرّا
وله [أيضا]:
وشادن من بني الأتراك مرّ بناخوف الرّقيب وطرفي عنه مصروف
يغضي حياء إذا قبّلت راحتهكأنّما طرفه بالشّوك مطروف
كأنّ أصداغه والرّيح تضربهاعقارب بعضها بالبعض ملفوف
وله [أيضا]:
يا قاتلي بصدودهرفقا فقد شمت الحسود
بالأمس جئت مسلّمافلقيت دونك ما يؤود
إن أنت عدت لمثلهابالله أحلف لا أعود
[لو قلت: إنّ هذا سحر وليس بشعر لما تخطّيت الحقّ، ولا تعدّيت الصّدق]
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع