من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
ابن بحر بن البغدادي
داهية الدهر وصمّاء الغير، وان عميت عليك أنباؤه فسلني عن الخبر؛ شيخ نسر لقمان عنده فريخ. وقد حجب بصره وكفّ، فإذا أخرجت إليه الأيدي لم يكد يبصر الأكفّ تقطر من لسانه البذاءة، وتتعجّن بطينته الاساءة، وتعمّ منه في الناس المساءة.
وعهدي به في نادي عميد الملك بمدينة السلام، ﵀، وسقاها صوب الغمام، ومحفله (غاصّ بالخاصّ والعام)، شرق بأمراء الاسلام.
وقد اجتمعوا لصلة أوراق الجرثومة القائمية بأغصان الأرومة السلجوقية. وهذا الفاضل معتص بيد قائده إلى تكأة [عميد] الملك ووسائده. فلمّا انتصب بين يديه كالرّمح بيد الشّجاع مائلا، وكالحرباء بحذاء الشمس ماثلا. قال له:
أرى قدمك أراق دمك، فأنت كالهدي بلغ المحلّ، ولم يلبث أن يضمحلّ، وليس يقيك اليوم سهام الملام، ولو اتّقيتها بحلق اللام، إلّا إنشادك قصيدتك المقفّاة باللام، أو نقلك الرّجل من المحطّ إلى الجذع المنصوب لك على الشطّ. فقال: أيّما لامية يعني مولانا؟، قال: أعني القصيدة التي عفت في انشائها شرب العافية، ووضعت بإنشادها قفاك على القافية، فمدحت الأعلام البيض بأهواس أبت إلّا أن تعشّش في رأسك وتبيض. فلما أخذته الصّيحة بالحقّ، ورمي بهذا الجلمود [و] المدقّ استدار فخرّ صعقا على الأرض، وبدّل طول قامته بالعرص، وأخذ عميد الملك ينشد ما علق بحفظه من اللامية التي خاطب بها البساسيريّ شامتا بعرش الخلافة، وقد تثلّم جانبه أشرا بالشّر
الذي شالت مذانبه مستسخرا من رئيس الرؤساء، وقد نصب على الشطّ علما، بعدما كان في كعبة الوزارة ركنا مستلما. وهذه هي اللامية:
أجل لعمري صدق القائلإنّك حقّ وهم الباطل
قد جاءت الرّايات مبيضّةيقدمهنّ الأسد الباسل
وولّت السّوداء منكوسةليس لها من ذلّة شائل
أنظر إلى الباغي على جذعهوالدّم من أوداجه سائل
قلت: ولعمري إنّ هذا الشيطان الرجيم استمطر برأسه نعال الأدم من أكفّ الخدم، غضّ الله فاه، وأنبت شقائق النّعمان على قفاه. ثم أمر له عميد الملك فشيل من بين يديه، وحمل الى داره الخاصّة، يكاد من
الغرق في العرق يلفظ آخر الرّمق. فلما أفاق قال: قد غامرت بوسلك البحر ذا التيار والحدب. غير أنّك [قد] أطلعت الرأس من جيب قميص الأدب. ولو كان شعرك سخيفا لحقّ لقلبك أن يضمر وجدا وحيفا، ولكنك أحميت فشويت، ورميت فما أشويت، وقلت فأسمعت وضربت فأوجعت. فأنت في خفارة إحسانك آمن من جناية لسانك.
وردّ المسكين الى أفحوصه، وكأنه هائم ردّ إليه فؤاده، لا بل هالك عجّل له معاده.
ولم يحضرني الآن من شعره إلّا هذه الأبيات:
خليليّ ما أحلى صبوحي بدجلةوأطيب منه بالصّراة غبوقي
شربت على الماءين من ماء كرمةفكانا كدرّ ذائب وعقيق
على قمري أفق وأرض تقابلافمن شائق حلو الهوى ومشوق
فما زلت أسقيه وأشرب ريقهوما زال يسقيني ويشرب ريقي
فقلت لبدر التّمّ: تعرف ذا الفتى؟فقال: نعم، هذا أخي وشقيقي
الشريف لطف الله الهاشميّ
أنشدني الشيخ والدي، رحمة الله عليه، قال: ورد هذا الشريف علينا فجمّل ناحيتنا، وأفادنا [من] أعلاق فضله، وزوّدنا من ثمار عقله. فكان ممّا أنشدنا لنفسه قوله:
قالت: سلا ودّنا، وحال ولمأسل فيجزى به ولم أحل
عندك قلبي فقلّبيه وإنوجدت فيه سواك فانتقلي
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع