من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
أبو علي بن شبل البغدادي
رأيته ببغداد سنة خمس وخمسين وأربعمائة، فوجدته وقد شدّ على الأدب الجزل أزرار ثيابه، وجمع أقسام الفضل ملء إهابه. وذكرته في خطبة هذا الكتاب عند ذكر السادة الأرباب. وفرغت ثمّ ممّا يليق بهذا الباب. وقد كان أعارني صدرا صالحا من فوائده، وأهدى إليّ قدرا كافيا من فرائده. ولم تمتّعني الأيام بها وزاحمتني الحوادث فيها، حتى عدمت من فضل ربيعها زهرا ووردا، وبقيت بعدها كالسيف فردا.
فمما أنشدني لنفسه قوله:
قالوا: المشيب، فقلت: صبح قد تنفّس في غياهب
إن كان كافور التّجارب ذرّ في مسك الذّوائب
فالليل أحسن ما يكون، إذا ترصّع بالكواكب
قلت: كنايته عن الشعر الشائب بكافور التجارب من النوادر والغرائب، وأختها غبار وقائع الدهر. وأنشدني لنفسه أيضا:
وحتم قسمة الأرزاق فيناوإن ضعف اليقين من القلوب
وكم من طالب رزقا بعيداأتاه الرّزق من أمد قريب
وأنشدني الشيخ أبو محمد الحمدانيّ له في صفة دجلة، والزبازب فيها يوم موج:
زبازبها على الأمواج تحكيعقارب فوق حيّات تطير
تلوح كقطع ليل في صباحكما لاحت على الطّرس السّطور
وأنشدني أيضا له قال: أنشدنيه لنفسه:
أخطّ وأقلامي تسابق عبرتيلأني عن جسمي كتبت إلى قلبي
وأشكو الذي ألقاه من وحشة النّوىوشخصك، وقّيت الردى، حاضر لبّي
فدتك، أبا يعلى، لعبدك مهجةتقلّبها الأشواق جنبا على جنب
تبسّم عن أنباء حضرتك العلاويغني بجدوى راحتيك عن السّحب
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع