من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الوزير الصفي أبو العلاء محمد بن علي بن حسول
من علّيّة الكتّاب والدّاخلين على أنواع الفضل من كل باب.
فاللفظ أري مشور، والخطّ وشيّ منشور. ولم يزل منذ حلّت تمائمه بين البلغاء منظورا، وكالأغرّ المحجّل بين الدّهم المصمتة مشهورا.
واتّفق [لي] أنّي لقيته بالرّيّ في داره بدرب راذمهران، فصغّر الخبر الخبر، وانثالت عليّ من محاضراته الأزهار والزّهر. وأنشدته قصيدتي فيه، وهي:
يا حادي العير رفقا بالقواريروقف، فليس بعار وقفة العير
واحلب مآقي عين طالما قصرتحمر الدّموع على البيض المقاصير
فأعجب بها، وتعجّب منها، وقال: لولا وهن ركبتي لرقصت على نسيبه. فهذا كلام كلّه طيب وليس لداء الرّكبتين طبيب. ثم انتقلت بنا الأحوال إلى أن كدّرت منافسة الصنعة ماء الودّ، فنضونا أرديته، كما ينضو الفتى شمل البرد. ومما دار بيني وبينه أنه أنشأ رسالة في فضل الحرّ على البرد، وناقضته برسالة على الضّدّ، فقال لي: لا يفضّل البرد إلّا بارد، فقلت: ولا السّخنة الّا سخين عين. فبقي كالمبهوت ملجما بالسكوت، وأنا [مع هذا] لاينته على خشونته، وواردته على كدورته، ومثن على معاليه بلسان الانصاف، غير طاعن فيه بسنان الانتصاف. فمما أنشدني لنفسه في دار الكتب بالريّ في شوّال سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة قوله يهجو بعض المتكبّرين عليه:
دخلت على الشيخ فيمن دخلفغربل عصعصه وانتخل
وأظهر من نخوة الكبرياء ما لم أقدّر وما لم أخل
فقلت له مؤثرا نصحهوقد يقبل النّصح ممّن بخل:
إذا كنت سيّدنا سدتناوإن كنت للخال فاذهب فخل
فقال: اغتفر زلّتي منعمافانّي نغل بزيت وخل
وكم من وزير كبير عراهـ عند (قضاء الحقوق) البخل
أخلّ بحقّ دهاة الرّجالفما زال يصفع حتى أخلّ
وأنشدني لنفسه من قصيدة داعب بها ابن الجبّان؛ أديب العراق، وكان مختضبا:
سنّي كسنّ أديب العراق زين الظّراف
ستّ وستون عاماما بيننا من خلاف
ومنها في الشكاية:
لكنّ شيبي بادوشيبه في غلاف
وأسلمتني وذنب المشيب فيه اقترافي
من الظّباء العواطيإلى الضّباع القوافي
وأنشدني لنفسه أيضا:
يا فتى ضبّة الّذيهو بدر الدّجنّة
بأبي وجهك الّذيفيه ناري وجنّتي
والثّغور التي تضيء الدّجى حين جنّت
واللحاظ التي جنتنظرا أو تجنّت
رشقتني سهامهنن فلم تغن جنّتي
فيك أخشى على الحبالى سقوط الأجنّة
حقّ للنّفس أنّهابك يا بدر جنّت
عذت بالله مخلصاربّ ناس وجنّة
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع