من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الشيخ أبو بكر الأسفزاري
انعقدت بيني وبينه المودة بهرات سنة خمس وأربعين وأربعمئة.
وطال امتزاجه بي حتّى انصبغ بي، وتأدّب بأدبي، وقرأ عليّ، واقتبس مما لديّ. وكان، ﵀، مولعا بالآداب الغضّة، يهصر أغصانها، ويشمّ ريحانها، ويقصد جنانها، ويفصد دنانها، فاتفقت
لي عودة الى هرات سنة اثنتين وخمسين، وهو في جوار الله ﷿. فوجدت الأفاضل نجوم سماء انقطع عن مددها البدر، وليالي صيام استرق من عددها القدر. فكنت في تلك الكرّة الخاسرة كمن رأى سرابا بقيعة، وهو ظمآن غصّان، فحسبه زلالا حتى إذا جاءه آب الظنّ ضلالا، وآل الماء آلا، [ووجد الله عنده فوفّاه حسابه]. كتبت اليه أول ما أبرمت حبل وداده، ووثقت بحسن اعتقاده:
أبو بكر الصّدّيق في العهد مؤنسيإذا غار بي خوف المعادين في الغار
عرضت عليه دين ودّي فما نباولم يتلعثم من جحود وإنكار
ولم تك منه بيعة الودّ فلتةفيزعم أنّ الأمر متّفق طاري
لذلك لم أمنعه من خالص الهوىعقالا، وإخلاص الهوى رسمي الجاري/
وبايع، يروى، قبل هذا مداعنا،عليّ أبا بكر وراويه في النّار
وقد صنت عن أمثال ذلك بيعتيففي النّصح إعلاني موافق إسراري
وصنعة هذه الأبيات، أني لم أخرج فيها عن الأحوال التي دارت بين أبي بكر وعليّ [﵄] من المسارعة إلى الإيمان، من غير تلعثم وكبوة عمّا دعته إليه [النبوّة]، ومرية فيما حملته عليه المروّة. فأجابني أبو بكر [الأسفزاريّ] عنها ببيتين له استنبط فيهما معنى [من] جنس استنباطي، وهما:
سما عليّ في سماء العلاوغيره ملتصق بالرّغام
أنا أبو بكر سوى أنّنيمعتقد أنّ عليّا إمام
وله من قصيدة:
أيا عاذلي لمّا رآني محرّقاإذا لم تبرّدني فلا تتبرّد
زعمت بأنّ الشمس تغرب غدوةومن بطلوع الشّمس في ضحوة الغد!
فعدت هباء إن أر الشمس أنتعشوأوجد، وإن أفقده أحرق وأفقد
بدا طالعا دون الثّنيّة فاردايبين ويرنو نائرا مثل فرقد
وأرمد عيني نور شمسي فاشتفتإذ اكتحلت من عارضيه بإثمد
وعطّشني ياقوت فيه فلم أقلبتروية الياقوت من غلّة الصّدي
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع