من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الشيخ أبو نصر أحمد بن محمد بن أبي عمرو الباذغيسي
ولي البريد بهرات، أيام الأمير السعيد [أبي سعيد] مسعود بن محمود [رحمهما الله]. وعاش في ظلال تلك الدولة بجاه يحلّ فرق الفرقد، لبعد مرقى المرقد. ثم تراجعت أحواله، وأخدجت [آماله وأمواله] ولفظته هرات إلى زوزن، ورئيسها أبو القاسم في الدّست، ويده تقول للمزنة الكلفاء: أنا ولست. ففرش له حجر [إنعامه وألقمه] ثديّ إكرامه، حتى انتعش من سقطته، وتخلّص من ورطته، واعتذر إليه الدهر من غلطته. فألقى بزوزن عصا المقام، وشجّ في جواره
أوتاد الخيام. وما زال بها في بال رخيّ، وفلك بما يهواه سخيّ، حتى أسن، ورقّ جلده فاستشن، وصار كالكروان، صكّ فأكبأنّ.
وانتقل من ظلّ العافية التي عثر بها في تلك الزاوية إلى الجنّة العالية، رحمة الله عليه. فممّا أنشدني لنفسه قوله يصف تنقّل أحواله:
يا سادتي (إن تسمعوا،في قصّتي) عجب العجائب
رعت الهزابر برهةثمّ انهزمت من الثّعالبّ
كنت امرأ زمن الغنىجمّ المآرب في المناقب/
أغشى الملوك كما أري.... د، ولا أحاشي ردّ حاجب
وأردّ بالرأي السّدي... د السّمر في صدر النوائب
ومراكبي بسماتهاتزهى على كلّ المراكب
[وحسان داري مثّلبحذاء وجهي كالكواكب]
لمّا تغيّرت الأمور وعطّلت تلك المراتب
بسحاءة قيّدت) ثم حبست في بيت العناكب
وأنشدني أيضا لنفسه من أبيات كتبها إلى الأديب البارع الزّوزنيّ، وهو بماثير ناباذ، عند الأمير أبي المظفّر:
لولا مكانك من دار يحلّ بهاأبو المظفّر بانيها وعامرها
لطمت بالعذل وجها أنت مطلعهولمت بالسّبّ نفسا أنت عاذرها
[وأنشدني لنفسه أيضا:
لئن كرهت نفسي رضاك فلقّيتفراق صديق أو فراق حبيب
وإن تهو شيئا غير ما تستحبّهفبات همومي في هموم مشيب
وإن لذّ عيني لذّة لا تلذّهافلا لقّيت سعدى بغير رقيب
فلا تعجبن مما ذكرت فإنّنيأدلّ بعهد في هواك عجيب
قال، رحمة الله عليه: أنشدوني بيت الحماسة:
بقّيت وفري وانحرفت عن العلاولقيت أضيافي بوجه عبوس
فاستحسنت إقسامه حتى عارضت بأبياتي هذه أقسامه]
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع