تجاوز إلى المحتوى

من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)

الوزير أبو القاسم علي بن عبد الله

وزر للسلطان طغرل بك، أنار الله برهانه، مدة، ثم لذّ بفيه طعم العافية واحلولى، ورأى الوقوف في صفّ السلامة أولى، ونفض من الوزارة ذيله كلّ النفض، ومال عن كدّها ونصبها إلى الدّعة والخفض. وقال فيها بمذهب الاعتزال والرفض، بحيث ارتضاه انتقاده، لا من حيث اقتضاه اعتقاده. ولولا آثار توقيعات نظام الملك مولانا الصاحب، التي استمرّت أقلامه منها على الجدد اللاحب، وكلّما وشت البياض رقما أغارت الرياض رغما، فلو مرّ ببابها ابن البوّاب لخشع خشوع الأوّاب، وخضع خضوع

التوّاب، وكأنها لم تخلق إلا لتغذّي مقلة ابن مقلة، وتغشّي الاختلال في مكتوبات ابن الخلّال، لقلت: إن خطّ الوزير أبي القاسم أمثل خطوط الوزراء، وهو وإن لم يكن من الفضل في قبّة السماء ففي القنّة الشمّاء.

ولكن إذا جاء نهر الله بطل نهر عيسى، وما خطر حبال السحرة/ إذا ألقى عصاه موسى؟ ومن ذا الذي يخطر بباله أن يبدع مثل تلك التحاسين؟ وقل:

هو الله أحد، وليست من رجال ياسين. فقد كان [حتّى] قبل الوزارة يتولّى رئاسة نيسابور سنين، وهو فيها والي أهلها من المحسنين، حتى دلّت على كفايته الأمارة، [وقربته إلى سريرها الإمارة]. ثم ناوله الصرف

طرف حبله فسار في الدّهقنة مسير آبائه من قبله، وجعل منها يحلب أرزاقه، ويجلب أرفاقه، مستريحا إلى ظلّ التناية مخصوصا من ملوك زمانه بحسن العناية، وملحوظا من وزرائهم بعين الرعاية. إلى أن طوي قرطاسه، وانقطعت أنفاسه. تغمّده الله بغفرانه. وورّث مولانا عمره، وأعمار سائر الناس.

ولا زال في الدسوت، ما دام أولئك في الأرماس، آمين ربّ العالمين.

وكتب إليه الأديب يعقوب [بن أحمد]:

فديناكم كيف الوصول إلى المنىبخدمة كلّ الناس في شخص واحد؟
أبي القاسم الشيخ الأجلّ أخي العلاعليّ بن عبد الله زين الأماجد

فأجاب عنه من ساعته [بقوله]:

تقلّدت للأستاذ أعظم منّةبإظهاره ودّا شديد المعاقد
للشاعر أبو القاسم الأنساباذي الجويني، اقرأ القصيدة
وغير بديع منه حفظ مودّةعهدناه قدما) من حبيب مساعد
للشاعر أبو القاسم الأنساباذي الجويني، اقرأ القصيدة

وهذا من الكلام الذي يكتب لشرف قائله، لا لكثرة طائله، واللفظ لسواي.

وقد تبرأت فيه من دعواي. وناحية جوين، وإن لم تخرج غير الإمام أبي محمد والوزير أبي القاسم، فان أعداد الكبار الشّمّ الأنوف ربّما عدلت عشراتها بالمئين، ومئوها بالألوف. وكم من قميص واحد شدّت أزراره على خلق كثير، وربّ خلق كثير لا يملكون من قطمير:

تعيّرنا أنّا قليل عديدنافقلت لها: إنّ الكرام قليل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»

/فلم أجد في أرغيان ولا بطوس، إلا الشيخ أبا الأبين مكتوما

وحاشا أن ينكتم فضله الأبين، وقد تفتّح في روض البلاغة نرجسه الأعين، وزانها وشيه الأحسن، [ونسجه الأزين]، والشيخ أبا الفتوح المحسن، المطفي بذكائه البرق المتلسّن.

أمّا:

النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «دمية القصر وعصرة أهل العصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.